محمد كرد علي
22
خطط الشام
إنسان يكشف رأسه وينظر في وجهه فالذي يقول فيه نيشان يرجعونه إلى السجن ، والذي يقول ما فيه نيشان يطلق ، ثم إنه أحضر الفعلة أيضا وصنع بهم كذلك وقبض منهم جملة وأحضر التجار وأرباب الصنائع والحمالين وعلى هذا المنوال عامل الجميع فامتلأت السجون ، ومن الغد أحضر المغاربة وأمر أن يخرجوا السجناء كلهم خارج البلد ويقتلوهم ففعلوا ما أمرهم به ؛ قال مدوّن وقائعه : وكان يوما عصيبا لم تكن تسمع فيه إلّا صراخ المقتولين ظلما وعويلهم وأنينهم ، وبقي القتلى كالغنم مطروحين خارج البلد ، ثم أمر أن ينادي المنادي في شوارع عكا ليخرج أهل القتلى لدفن موتاهم ، وأشار إلى أن كل امرأة ترفع صوتها تقتل حالا ، فخرج الناس ودفنوا القتلى . ثم ابتدأ يرسل جنوده يقبضون على الفلاحين ومشايخ القرى وأصحاب المقاطعات فمنهم من يقتله ومنهم من يصلم أذنه ويجدع أنفه ويطلقهم . ولم يذكر المؤرخون علة استرسال الجزار في قتل الناس على هذه الصورة من غير سبب ولعله أصيب بمس من الجنون أو ان جنونه أطبق هذه المرة فأزهق الأرواح ، وإن امتاز في أدوار حياته بالسفك والفتك . وذكر المؤرخون أن الجزار قبيل وفاته أمر أن يغرقوا من كان في سجنه في البحر فنفذ أمره . وفي التاريخ العام أن الجزار أوقد جذوة التعصب بين المسلمين في بيروت وأغراهم بقتل الموارنة حتى يضمن حكمه على بيروت . ولم يكن يعرف فيما إذا كان الجزار خادما مخلصا للسلطان أو عاصيا وقحا . وكان كثيرا ما تجيئه رسل جاويشية من الإستانة تحمل إليه بعض الأوامر فيجز رأس القادم ويبعث به إلى ديوان الإستانة ، وهناك يغدق الذهب على الوزراء والخصيان ونساء الحرم السلطاني . وكثيرا ما كان يقول وهو في حال السكر للمسيو ديتوليس : السلطان كالبنات يعطي نفسه لمن يعطيه أكثر ، فإذا حاول أن يقاومني فأنا أرده إلى الصواب بأن أهيج عليه مصر والشام وآسيا الصغرى ، وأزحف على الإستانة في جيش « القابسز » وأكون قادرا مثل لويس الكبير إمبراطور فرنسا . وقد وصف مشاقة الجزار وصفا معقولا قال فيه : إنه كان داهية ذا بأس وحنكة واسعة ، سلمت إليه الدولة إدارة شؤون إيالتها وعولت عليه في