محمد كرد علي
23
خطط الشام
إخضاع الشام وضمه تحت جناحها ، على طريقة الغدر والخداع وإلقاء الفتن والحروب الأهلية بين الأمراء والمشايخ الذين كانوا يحكمون الرعية بالجور والعسف ويسومونهم الذل أنواعا والظلم أشكالا ، وشريعة الرجل منهم إرادته السخيفة ، والحاكم يشنق ويقتل ويشوه أخلاق الشعب ، وكأن الحال قيضت لهم رجلا كالجزار ينتقم منهم ، وكان هؤلاء العتاة لاهين بالمنازعات العائلية والحروب الأهلية يكرهون العدل ويعشقون الظلم ، لا يرحمون ضعيفا ولا قريبا ، ولم تكن معاملة الجزار للأمير يوسف أقسى من معاملة هذا الأمير لأنسبائه وإن ما لحقه من الجزار هو مما يستحقه . وقس على الأمير بقية المشايخ والأمراء الذين كانوا يستبيحون أموال الرعية وأعراضهم في سبيل أهوائهم . قال إن الجزار ظلم ولكنه خدم الدولة والشعب ، وعادت خدماته على الدولة بالنفع فأخضع القطر لشوكتها فأطاع ، ورد عنها بثباته أمام نابوليون خطرا كان يهددها يوم حصار عكا ، وأفاد الرعية بأن أزال عنهم ضغط المشايخ والأمراء المستبدين فكان جوره بالنسبة لجور الأمراء والمشايخ قبله أقل وطأة . ولما جاءهم وضع حدا لظلمهم وزعزع سلطتهم وأرغم أنوفهم وأطلق الفلاح من عقالهم . وعلى الجملة فإنه عمل بما يوافق عصره وينطبق على أبنائه ، فبموته سرّي عمن كان غضبه يهددهم ويوشك أن يوقع بهم . وقال إن الجزار على قبح أعماله حفظ المساواة بين الرعية مع تفرق مذاهبها ، فيحبس علماء المسلمين وقسوس النصارى وحاخامي اليهود وعقال الدروز سوية ، وهكذا في إجراء العذابات الجهنمية عليهم لا يفرق بينهم ، وأكبر ما يحصى عليهم من الذنوب التوقف عن أداء الأموال التي يطلبها منهم وربما نشأ تلكؤهم من عجزهم . وقال إن الجزار كان يتأخر عن دفع الأموال الواجب عليه أداؤها للسلطنة ويعتذر عن الدفع بأنه محتاج إلى العساكر لإدخال لبنان في الطاعة ، فسئمت الدولة من تعللاته الطويلة وكتبوا له أن المدة طالت ويظهر أنك غير قادر على تمهيده ، فلذلك صممت الدولة على إرسال وزير مقتدر بعساكر كافية لإخضاع لبنان لسطوتها فكان جوابه أنني بعد أيام قليلة إن شاء اللّه أبشركم بفتحه لأنه ظهر عليهم الضعف عن المقاومة ، وقد منعنا وصول الذخائر إليهم من البقاع والسواحل وهم لا يقدرون على العيش بدونها ، لان أراضي الجبل قليلة بالنسبة