محمد كرد علي

43

خطط الشام

فسيرته فيها سيرة عمرية ، وأما إنشاؤه المدارس والجوامع وعمارة الطرق والجسور ودور المرضى والبائسين والخانات فمما لم يسبق إليه ، أقام الأبراج على الطرق بين المسلمين والفرنج جعل فيها من يحفظها ومعهم الطيور الهوادي أي الزاجل فإذا رأوا من العدو أحدا أرسلوا الطيور فأخذ الناس حذرهم واحتاطوا لأنفسهم ، وبنى مكاتب للأيتام وأجرى عليها وعليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة فصارت الشام بعد خلوها من العلم وأهله مقر العلم ومباءة الفقه . هذه حال ملك القرون الوسطى وحسن بلائه في خدمة أمته وهو يقاتل الأعداء في الغرب والجنوب ، وقد فتح نيّفا وخمسين حصنا وأقام المعالم وهو مشتغل بحفظ الأوطان ، لم يدخل اليأس على نفسه ولم يخامره الشك بأن العاقبة المحمودة تكون له وللمسلمين ، وأنه سيظهر على عدوه فيدفعه عن حماه . مع أن مدة ملكه في الشام لم تتجاوز أربعا وعشرين سنة . لا جرم أن ظهور بني زنكي نعمة أنعمت بها الأقدار على هذه الديار ، فخرجت بها من انقسام الكلمة وتشتت الأهواء والآراء ، ومن خيانة الملوك والأمراء ، والاعتضاد بالمحاربين من الأعداء إلى تماسك وتعاضد ، ومن ظلمة الجهل والغرور إلى ضياء العلم والنور ، ومن سلب أموال الأمة إلى إمتاعها بالعدل الشامل والأمن الكامل . بسقت فروعها في أيسر زمن وأحرج العصور ، فخطب الناس ودّها في كل مكان وودوا لو كان لها الحكم عليهم ، ورجا أولياؤها أن تطول أيامها لأنها لا تسوق الناس إلا إلى طرق فلاحهم وسعادتهم .