محمد كرد علي
30
خطط الشام
ومن خان أمته وهو في عهد عزه أقرب إلى خيانتها في دور شقائه وذله ، اما بالس ( مسكنة ) فبعيدة عن حركة التطاحن بين الشرق والغرب . وماء الفرات أسوغ للعاصي مجير الدين من ماء بردى والعاصي . والمقصد في الحقيقة من الفتح توحيد كلمة الاسلام ، وهذا قد تم لنور الدين بفتح أبواب دمشق لعدله العمري ، وخروج آخر الأتابكيين من أولاد طغتكين منها بسلام . لم يتبدل شيء بفتح نور الدين دمشق إلا إبطال المظالم والمغارم ، ورفع الحيف عن الضعاف ، وجمع القوة إلى مقصد واحد لا تتزلزل بالتردد والدسائس ، كانت معظم وقائع نور الدين يحالفها التوفيق وفي السنة التي صفت الديار له أخذ من الفرنج تل باشر . وفي سنة ( 550 ) تقررت الموادعة بين نور الدين وبين ملك الفرنج مدة سنة ، وقبض نور الدين على ضحاك والي بعلبك وتسلم القلعة وفي السنة التالية ( 551 ) ظفر عسكر نور الدين بالفرنج الذين عاثوا في أعمال حلب تقررت الموادعة والمهادنة بينه وبينهم مدة سنة وان المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية « 1 » ، ثم نقض الفرنج الهدنة لوصول عدة وافرة من الفرنج في البحر وقوة شوكتهم بهم ، ونهضوا إلى الشّعراء المجاورة لهم ووقع من المندوبين لحفظ أهل القرى من الأتراك تقصير ، فانتهز الفرنج الفرصة واستاقوا جميع ما وجدوه وأفقروا أهله منه مع ما أسروه من تركمان وغيرهم . وأغار الفرنج ( 552 ) على أرجاء حمص وحماة وأطلقوا أيديهم بالنهب ، وأغاروا على بانياس ، فانتصر المسلمون ، ومحقت السيوف عامة رجالة الفرنج ومسلمي جبل عاملة المضافين إليهم ، وملك الفرنج جبلة وكانت في أيدي المسلمين منذ سنة ( 473 ) وثب عليها قاضيها ابن ضليعة التنوخي واستعان بابن عمار صاحب طرابلس فأخرج منها الروم ، وكانت بيدهم منذ سنة ( 357 ) ، وظفر أسد الدين في جماعة من شجعان لتركمان بسرية وافرة من الفرنج في ناحية الشمال فانهزمت . وافتتح نور الدين بانياس قهرا وظفر عسكره في ناحية هونين بسرية من أعيان مقدمي الفرنج وأبطالهم فلم يفلت منهم إلّا اليسير ، وعسكر الفرنج على الملوحة بين طبرية وبانياس فنهض إليهم نور الدين في عسكره من الأتراك والعرب فكتب له النصر عليهم ، وشاغل نور الدين الفرنج هذه السنة للزلازل التي حدثت في الشام ولكنهم شغلوا أيضا
--> ( 1 ) من ضرب الفرنج في صور .