محمد كرد علي
21
خطط الشام
دمشق وأرجع إلى بلادي » فمطله معين الدين وبعث إلى السواحل يقول : « هذا ملك الشرق نازل على حمص وليس لكم به طاقة ، فإن رحلتم وإلا سلمت دمشق إليه وهو يبيدكم وأنا أعطيكم بانياس » أي إن معين الدين أتسز آثر أن يتخلى عن بانياس مفتاح دمشق الأكبر من جهة الفرنج ، ولا يجعل لسيف الدين غازي إصبعا في بلده ، لعلمه أن دولة آل زنكي في عنفوان أمرها غضة الإهاب ودولتهم هرمة ، والفتى يغلب الهرم ويخلفه بحكم الطبيعة . تقدم نور الدين في فتوحه : ولما رحل الفرنج عن دمشق كتب القومص صاحب طرابلس إلى معين الدين وإلى نور الدين يستنجدهما على ولد ألفنس صاحب صقلية الذي أخذ منه حصن العريمة ، ويريدهما على أخذه خوفا منه على بلده ، وكتبا إلى سيف الدين يطلبان منه المدد فأمدهما ، فحصروا الحصن ونقبوا السور ، فأذعن الفرنج واستسلموا وألقوا بأيديهم ، فملك المسلمون الحصن وأخربوه وأخذوا كل من فيه . وعاد عسكر سيف الدين إلى الموصل وعسكر نور الدين إلى حلب وأخذ هذا بجمع أطرافه وتوجه إلى ما دانى أرضه من أرض الفرنج وظفر بعدة وافرة منهم ، وجمع صاحب أنطاكية رجاله فصد نور الدين على حين غفلة منه ، ونال من عسكره حتى اضطر نور الدين أن يهرب بنفسه وعسكره إلى حلب . وفي هذه السنة ( 543 ) نادى منادي نور الدين في حلب بإبطال الأذان بحي على خير العمل في أواخر أذان الغداة ، وأعاد أذان أهل السنة ففرح الناس وأبطل بذلك أثرا عظيما من آثار الدولة العلوية الفاطمية . لم تثبط هزيمة نور الدين يوم أنطاكية من عزيمته ، وقصد الفرنج فكان بينه وبينهم مصاف بأرض يغري من العمق فانهزم الفرنج إلى حصن حارم وكانوا هزموا المسلمين أولا بهذا الموضع ، وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة فأرسل منهم جماعة مع غنائم كثيرة إلى أخيه سيف الدين صاحب الموصل . وفي هذه السنة سار نور الدين إلى بصري وقد اجتمع الفرنج قضهم وقضيضهم ، فالتقى بهم هنالك واقتتلوا أشد قتال فهزمهم نور الدين . وكثر عيث الفرنج في صور وعكا والثغور ( 544 ) بعد رحيلهم عن دمشق