محمد كرد علي

22

خطط الشام

وفساد شروط الهدنة المستقرة بين صاحب دمشق وبينهم ، وكانوا يعيثون في عمل دمشق ، ويفحشون في التخريب ويمعنون في الغارة ، فأغار عليهم العسكر الشامي والتركماني والأعراب إلى أن اضطروا إلى تجديد الهدنة مع صاحب دمشق سنتين . وأغار صاحب أنطاكية على الأعمال الحلبية فدفعه نور الدين صاحبها ، وكان عسكر نور الدين يناهز الستة آلاف فارس سوى الأتباع والسواد ، والفرنج في زهاء أربعمائة فارس طعانة وألف راجل مقاتلة سوى الأتباع ، فلم ينج منهم إلا نفر يسير ثم نزل نور الدين في العسكر على باب أنطاكية وقد خلت من حماتها فاستمال أهلها في التسليم فأمهلوا ، ثم نهض إلى أفامية فسلم الفرنج إليه البلد بعد حصارها واجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحو نور الدين ليرحلوه عنهم ، فلم يصلوا إلا وقد ملك حصن أفامية وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا ، واقتضت الحال بعد ذلك مهادنة من في أنطاكية وتقرر أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية لنور الدين ، وما قرب من أنطاكية لهم . وقد عاون نور الدين في هذه الوقعة الأمير بزان في عسكر دمشق وعسكر أخيه سيف الدين غازي والجزيرة ، وقتل من الفرنج ألف وخمسمائة وأسر مثلهم ، وقتل البرنس وحمل رأسه إلى نور الدين . قال العماد : وكانت هذه الكسرة على إنب ، وإنب حصن من أعمال عزاز . وظهرت الفرنج في الأعمال الدمشقية للعيث فيها واتصل بنور الدين إفسادهم في الأعمال الحورانية بالنهب والسبي فعزم على التأهب لقصدهم فسار وكف أيدي أصحابه عن العيث والفساد في الضياع ، وأمر بإحسان الرأي في الفلاحين والتخفيف عنهم . وكتب إلى دمشق يستدعي منهم المعونة على ذلك بألف فارس ، وقد كان رؤساؤها عاهدوا الفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين فاحتج عليه وغولط ، فلما عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكر بيعفور ، ثم رحل من منزله بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العسكر ، وراسل مجير الدين والرئيس بدمشق بأنه لم يقصد محاربتهم وإنما دعاه إلي ذلك كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان وعجز أمراء دمشق عن حفظ أعمالها واستصراخهم بالفرنج على محاربته ، وبذلهم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلما لهم ، فكان الجواب عن هذه الرسالة « ليس بيننا وبينك إلا السيف وسيوافينا من الفرنج ما يعيننا على دفعك إن