محمد كرد علي
15
خطط الشام
وعمل بالسلاح والكراع ، وعمل بالخطط العسكرية والخدع الحربية ، وقت كله جد في جد ، وإلا فالعدو يتقدم ، والإسلام يهلك ويعدم ، وعمل عظيم كهذا متوقف على قيام زعيم كبير يلتف الناس حوله عن رضى ، ويجذب قلوبهم بصالح أعماله لا ببهرج مقامه ولطف مقاله ، ويبهرهم بلامع إخلاصه ، لا ببريق الذهب على كرسيه وتاجه . صفات عماد الدين زنكي وتولي ابنه نور الدين : بدأ العقد الرابع من القرن السادس وفيه قتل عماد الدين زنكي على قلعة جعبر بيد جماعة من مماليكه . وكانت صفاته صفات حربية راقية اشتهر بشجاعته ونجدته ، اشتهاره ببطشه وشدته ، وكان يحب التوسع في الملك والذّب عن حوزة الإسلام ، ويدرك بثاقب نظره أن الأعداء محيطة بمملكته لا ينجيها منهم إلا القضاء على إحدى إماراتهم في الرّها وما إليها ، ولا يتقى بأسهم بمناوشات وحروب تستصفى معها بعض القلاع والحصون ثم يستعيدونها وبالعكس ، وما دامت دمشق لم تدخل في سلطانه لا يقوى ملكه بالشام الإسلامية مع ملكه الموصل على ردّ عوادي الدهر ودفع غوائل العدو . توفرت في شخصه شروط التوسع في الملك ، وعرف إدارة الممالك بالعمل ورثها من أبيه آق سنقر وبذّه فيها ، فكان مربيا فاضلا شهما مشهودا له بذلك ، دفع إليه السلطان محمود لما تولى الموصل ولديه آلب أرسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلذا قيل له أتابك . ومن صفات عماد الدين أنه كان ينهى أصحابه عن شراء الملك ويقول : إن الأقطاع تغني عنها ، ومتى كانت البلاد لنا فلا حاجة إليها ، ومتى ذهبت البلاد منا ذهبت الأملاك معها ، ومتى كان لأصحاب السلطان ملك تعدوا على الرعية وظلموهم ، على حين كانت الاقطاعات في عهده للأمراء والقواد وأرباب الدولة شائعة غير منكرة عند المسلمين وعند الصليبيين في هذه الديار . قيل للشهيد أتابك زنكي : إن هذا كمال الدين بن الشهرزوري يحصل له في كل سنة منك ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية وغيره يقنع منك بخمسمائة دينار . فقال لهم : بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي ؟ ! إن كمال الدين يقلّ له هذا القدر وغيره يكثر له خمسمائة دينار . فإن شغلا واحدا يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار . وكان كما