محمد كرد علي

16

خطط الشام

قال . وهذا أكبر دليل على حرصه على رجاله وإيقانه أن الدولة لا تقوم إلا بأمثال الوزير الشهرزوري . وكانت لعماد الدين عناية بأخبار يتنشّدها ويغرّم عليها الأموال الطائلة ، فيقف على أخبار الملوك ساعة بساعة ، وإذا جاءه رسول لا يمكنه من الحديث مع أحد الرعية لئلا ينتشر الخبر في البلد . وكان يفرق الأموال في القلاع والبلدان فلا يجعلها في مكان واحد ويقول : إذا كانت الأموال في موضع واحد وحدث حادث وأنا في موضع آخر وذهبت لم انتفع بها ، وإذا كانت متفرقة لم يحل شيء بيني وبينها رجعت إلى بعضها . وكانت المملكة قبل أن يملكها خرابا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا ، وقبل أن يجيء زنكي إلى الشام اشتدت صولة الصليبيين واتسعت مملكتهم من ناحية ماردين وشيحان إلى عريش مصر وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والبر ، وجعلوا على كل بلد جاورهم خراجا وإتاوة يأخذونها منهم ليكفوا أذيتهم عنهم . وكان مهيبا شديد الوطأة على من يعبثون بحياة الأمة . بلغه أن بعض الولاة تعرض لامرأة فقلع عينيه وجب مذاكيره فخاف الولاة وانزجروا ، وكان شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد . وكان يقول : إن لم تحفظ نساء الأجناد وإلا فسدت لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار . ترجمه العماد الكاتب بقوله : كان زنكي ابن آق سنقر جبارا عسوفا ، بنكباء النكبات عصوفا ، نمري الخلق ، أسدي الحنق ، لا ينكر العنف ، ولا يعرف العرف ، قد استولى على الشام من سنة ( 522 ) إلى أن قتل في سنة ( 541 ) وهو مرهوب لسطوه اه . وبعض هذه الصفات تنزهت منها نفس ابنه نور الدين محمود وهذا الرجل الذي كان ينتظر لإنقاذ الشام مما حل به من الويلات ، فإنه جمع الصفات الحسنة في أبيه وتجرد عن الصفات الرديئة فيه . كان نور الدين في قلعة جعبر يوم مقتل أبيه عماد الدين بيد المماليك فسمي الشهيد ، فأخذ في الحال خاتمه وهو ميت من إصبعه وسار إلى حلب فملكها ، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي يعلمونه الحال وهو بشهرزور ، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها . قال ابن عساكر : وسير نور الدين الملك آلب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد إلى الموصل مع جماعة من أكابر دولة أبيه وقال لهم : إن وصل أخي سيف الدين غازي إلى الموصل فهي له ، وأنتم في