محمد كرد علي
68
خطط الشام
سنين ، ولما عصى العرب والفرس على بيزنطية اضطرت هذه أن تعقد الصلح مع المنذر ، ثم حمل هذا إلى القسطنطينية أسيرا وانقطعت الأموال التي كانت تعطيها له مملكة الروم فثار أولاده الأربعة بقيادة النعمان بكر أولاد الحارث وهاجموا أراضي الروم وخربوا فيها ، فأخذ النعمان أسيرا أيضا . ولكن الفوضى انتشرت في بادية الشام وأخذت كل قبيلة تختار لها زعيما خاصا وهواهم مع الفرس . ولما سقطت دمشق والقدس في يد ملك الفرس كسرى ابرويز ( 613 - 614 ) انهارت مملكة الغسانيين . وقيل : إن جبلة بن الأيهم كان آخر ملوكهم . هذا ما يعرف عن الغسانيين في الجملة نقلا عمن حقق أمرهم من مؤلفي الغرب . ولما حاصر كسرى مدينة القسطنطينة خلت أرض الشام من جند الروم . وكان في مدينة صور أربعة آلاف يهودي فكتبوا إلى إخوانهم ببيت المقدس وقبرس ودمشق وجبل الجليل وطبرية أن يجتمعوا كلهم في عيد فصح النصارى ليقتلوهم بصور ، ويصعدوا إلى بيت المقدس فيقتلوا كل نصراني بها ويغلبوا على المدينة ، فبلغ الخبر بطريق صور فأخذ اليهود وقيدهم وسجنهم وأغلق أبواب صور وصير عليها المنجنيقات والعرادات ، فلما كانت ليلة الفصح اجتمع اليهود من كل بلد إلى صور وكانوا زهاء عشرين ألف رجل ، فحاربوهم حربا شديدة من فوق الحصون ، فهدم اليهود كل كنيسة كانت خارج صور فكانوا كلما هدموا كنيسة أخرج أهل صور من اليهود المقيدين عندهم مائة رجل وأوقفوهم على الحصن وضربوا أعناقهم ورموا برؤوسهم إلى خارج ، فضربوا أعناق ألفي رجل ثم انهزم اليهود . كنا نحب التوسع في سرد وقائع تلك الدول لولا الخوف من نقل ما لا يقره المحققون . والتعرض للمجهولات يؤدي إلى السقوط في غلطات ومتناقضات . ولعل بحث علماء العاديات يوصلهم إلى اكتشاف ما كان مجهولا من تاريخ هذه الديار التي طالما شرقت بدماء الغالبين والمغلوبين وسارت على أديمها دول كان الناس في ظلها ظالمين ومظلومين ، وقتل أهلها بالألوف والمئين في سبيل شهوات الفاتحين .