محمد كرد علي
44
خطط الشام
يتكلم بها في بادية الشام قبل الإسلام ، ونقف على مقام رحالة من العرب كانوا على وشك أن ينتقلوا إلى اتخاذ البيوت وعيش الحضارة في الشام . أما الصفويون فلم يكونوا أول من قصد إلى أرض الميعاد ولا آخرهم ، بل هم وحدهم الذين عرفناهم قبل أن يتحولوا تحولا كليا أي عندما كان لهم لسانهم وخطهم وأربابهم وعاداتهم . فمن الخطأ الاعتقاد بأن دخول العناصر العربية إلى الشام يرجع فقط إلى الفتح الإسلامي واختراق المسلمين صفوف الروم في وقعة اليرموك ومهاجمتهم الشام ، ثم انتشارهم في الشرق حتى أواسط آسيا ، وفي الغرب حتى أقاصي شمالي إفريقية ثم إلى إسبانيا . هذا الهجوم قد دل على بلوغ دولة العرب غاية مجدها ، فإذا ظهر أن الفتح الإسلامي قد كان من الحوادث الشاذة فهو في الحقيقة نتيجة حركة عادية طبيعية نشأت من اختلاط العرب على الدوام بسكان الحضر ودخولهم أصقاعهم ، هذا رأي دوسو وقال : لا ينبغي أن يفهم من لفظة العرب سكان جزيرة العرب فقط بل إنه يتناول أهل الظعن الذين يطوفون أواسط جزيرة العرب وشمالها وجميع بادية الشام . الصليبيون ولغاتهم والعربية ولبنان : وما برحت العربية تتأصل القرن بعد القرن في هذا القطر ، حتى كانت الحروب الصليبية فخشي عليها أن تنازعها الأولية لغات الصليبيين ، خصوصا بعد أن طال مقامهم في أنطاكية والساحل نحو قرنين يتكلمون بلهجات مختلفة أهمها الطليانية والافرنسية . بيد أن اللغة الفرنسية كانت لغة جميع الغربيين النازلين في الشرق ، وكان معظم فرسان الصليبيين من الفرنسيين ومنهم جميع الأسر الحاكمة في الشام ، على أن بعض أمراء الإفرنج من الصليبيين كانوا تعلموا اللغة العربية ومنهم صاحب قلعة الشقيف ، وجاء منهم من ضرب النقود بالعربية مثل أصحاب عكا وصور وبيروت وطرابلس ورسموا عليها حروفا كوفية على شبه النقود الإسلامية ، مع رموز نصرانية كالصليب وآيات من الكتاب المقدس . وأصبح نساؤهم ينتقبن كالمسلمات ويلبسن ثياب المسلمات مثلما كان رجالهن يلبسون ثياب الوطنيين .