محمد كرد علي

43

خطط الشام

العربية وذلك لعلاقتهم المتصلة بالتجارة مع مكة واللهجة العربية فيها أجمل من سائر لهجات الشام . وكان محمد عبده يقول : إن الفصح في لغة الشام أوفر مما هي في لهجة مصر . كيف انتشرت العربية : وإذا أردنا استقراء الطرق في نشر العربية في الشام لم نرها حاربت لغة القطر الأصلية على رسوخها فيها ، بل سارت في نشرها سير تعقل ، وراعى دعاتها سنن الطبيعة والنشوء ، وعملت قاعدة الانتخاب الطبيعي عملها في اللغة كما عملت في العناصر ، فبقي ما هو مفيد للناس في مصالحهم على اختلاف نحلهم ومللهم . ومنذ عدل في القرن الأول عن اللغة الرومية في الدواوين لم تبرح جميع الحكومات التي تعاقبت على هذه الديار تستعمل اللغة العربية في مفاوضاتها وسجلاتها ، على أن منها الكردي والتركي والشركسي إلا الدولة العثمانية في آخر عهدها فإنها ألغت الديوان العربي من مراكز الحكومات السورية والفلسطينية واكتفت بالدواوين التركية ، وعلى كثرة عنايتها بلغتها في الثمانين سنة الأخيرة لم توفق إلى نشرها إلا بين الموظفين فقط ، فكان شأنها هنا شأنها في رومانيا وصربيا وبلغاريا ويونان والبانيا ، أمتد سلطانها عليها قرونا ومع هذا لم تستطع نشر لغتها بين سكانها اللهم إلا بعض ألفاظ شاعت في المصطلحات اليومية . والعرب أجدر من غيرهم بأن يحرصوا على لسانهم وهو لسان مدنية ودين معا ، وأن لا يتخذوا عنه بديلا وهو متأصل في هذه الديار قبل الإسلام . اللغة الصفوية : إلى الجنوب الشرقي من دمشق في مدخل بادية الشام حول الصقع البركاني المسمى بالصفا ، يعثر الباحث على كتابات كثيرة زبرت على الصخر البركاني والشعب الذي خط هذه الكتابات في القرون الأولى للميلاد هو من أصل عربي ، ولغته من اللهجات العربية ، وخطه من فصيلة خطوط ديار العرب الجنوبية . وبفضل هذه الكتابات تعرف إحدى اللغات التي كان