محمد كرد علي
252
خطط الشام
هذا فقد روى مؤرخونا أن الأخبار لما وصلت سنة 490 ه إلى الشام بظهور عسكر الفرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرة ، شرع الملك داود بن سليمان بن قتلمش ، وكان أقرب إليهم دارا في الجمع والاحتشاد ، واستدعى التركمان فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير وعادوا إليه ، واستظهروا عليه ، وكسروا عسكره فقتلوا منهم وأسروا ، ونهبوا وسبوا ، وانهزم التركمان واشترى ملك الروم من السبي خلقا كثيرا وحملهم إلى القسطنطينية . ولما اتصلت هذه الأنباء بأمراء الشام ، قرّ رأي أصحاب أنطاكية وحلب ودمشق وغيرهم من صغار الأمراء على الاستصراخ والاستنجاد ، وتحصين أنطاكية وإخراج النصارى منها ، ولم تلبث عساكر الفرنج ان نزلت على حصن بغراس وأعادوا الكرة على أعمال أنطاكية فعصى من كان في الحصون والمعاقل المجاورة لها ، وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب منها ، وفعل أهل حصن ارتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الفرنج . وكان نهض من عسكر الفرنج فريق يناهز الثلاثين ألفا فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى حصن البارة وفتكوا بأهله ، وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لإنجاد ياغي سيان ، فقتل الفرنج منهم جماعة ، وعاد الفرنج إلى الروج بين حلب والمعرة ، وتوجهوا إلى أنطاكية وجعلوا بينهم وبينها خندقا لكثرة الغارات عليهم من عسكرها . وكان الفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا اليه أول بلد يفتحونه ، ففتحوا نيقية فلم يسلموها اليه على الشروط المقررة ، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب وفتحوا الرّها وما إليها وجاءوا أنطاكية فحاصروها تسعة أشهر حتى واطأهم قوم من الزرادين ومنهم أرمن على تسليم أنطاكية إليهم ، وذلك لإساءة صدرت من صاحبها ياغي سيان إلى الأرمن فصادرهم وأرهقهم ، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل فباعوه من الفرنج وأطلعوهم إلى البلد منه . فانهزم ياغي سيان بعد أن ظهر من شجاعته وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره ، وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص ، ولما حصل بالقرب