محمد كرد علي
253
خطط الشام
من أرمناز قرب معرة مصرين سقط عن فرسه فمات . وقد قتل في أنطاكية وأسر وسبي من الرجال والنسوان والأطفال خلق كثير . ولما سقطت أنطاكية عادت عساكر الشام فتجمعت ، وحاصر المسلمون أنطاكية حتى عدم القوت منها ، وأكل الفرنج الميتة ، فزحفوا وهم على غاية من الضعف إلى عساكر الإسلام ، وهم في الغاية من القوة والكثرة ، فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم . والسبب في هذه الهزيمة أن كربوغا صاحب الموصل كان في عسكره على حصار أنطاكية مع أمراء دمشق وحلب وحمص وغيرهم ، فأساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء وتكبر عليهم ، فخبثت نياتهم على كربوغا فهزمهم عدوهم وهو في ضعف وهم في قوة . قال صاحب التاريخ العام : وكان الجيش الإسلامي الذي دافع عن أنطاكية وأنجد صاحبها مؤلفا من مائتي ألف محارب ، ولو استطاع هذا الجيش أن يصل كله إلى أنطاكية لقضى على الصليبيين جملة ، ولم تلبث الحرب أن نشبت بين الصليبيين فاختلف البرفنسيون والنورميون ، حتى إن الفرسان هددوا المتحاربين من الفرنج أن يخربوا المدينة التي كانوا يتنازعون ملكها . وظلت الحرب على أنطاكية أربعة أشهر ففتحت بعد مذبحة هائلة قتل فيها من الفريقين ألوف . ولما انهزم المسلمون أمام الفرنج على أنطاكية ، سار هؤلاء بجملتهم إلى المعرة وضموا إليهم الأرمن الذين كانوا في طاعتهم وبعض النصارى الشاميين ، فاستولوا عليها ووضعوا السيف في أهلها ، وقتلوا منها ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات ، وسبوا مثلهم وأقاموا بالمعرة أربعين يوما ، ثم زحفوا عنها بعد أن قتلوا أهلها وقطعوا أشجارها . قال ميشو : إن الفرنج قتلوا جميع من كان في المعرة من المسلمين الذين اعتصموا بالجوامع واختبأوا في السراديب ، فأصبحت خاوية على عروشها ، وفقد الفاتحون كل زاد وساءت حالهم ، ثم وقع الخلاف بينهم وصاروا في رواية يأكلون جثث الموتى ، وهدموا أسوارها وأبراجها ، وأحرقوا المساجد وكسروا المنابر وهدموا الدور ، ثم ساروا إلى عرقة وحصروها أربعة أشهر ونقبوا سورها عدة نقوب ، فلم يقدروا عليها ، ثم ساروا إلى حمص فصالحهم