محمد كرد علي
245
خطط الشام
النفوس من هيبته ، فولاه ميافارقين وديار بكر وهي أول ولايته ؛ وسلم إليه ولده شمس الملوك دقاق واعتمد عليه في تربيته وكفالته ، فساس أمرها بالهيبة والتدبير ، وأصلح فاسدها وقوّم منآدها . قال : وتنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع تاج الدولة إلى الري وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة ، وحصل في قبضة الاعتقال مع من أسر من المقدمين ، وأقام مدة إلى أن أفرج عنه ( 488 ) فتلقاه شمس الدولة دقاق ( بدمشق ) وعسكره وأرباب دولته ، وبولغ في إكرامه واحترامه ، ورد إليه النظر في قيادة الجند ، واعتمد عليه في تدبير المملكة ، وسياسة البيضة ، واقتضت الحال فيما بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين والإيقاع به ، وتمم عليه الأمر وقتل ، وعقدت الوصلة بينه وبين ظهير الدين أتابك وبين الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك دقاق ودخل بها ، واستقامت له الحال بدمشق وأحسن السيرة فيها ، وأجمل في تدبير أهليها ، وسكنت نفس شمس الملوك إليه اه . فانظر إلى غرائب التوفيق في الأرض كيف ينشأ مملوك ، ربما كانت يد النخاس مرت على رأسه ، يكفل ابن السلطان ويربيه ويتزوج بأمه ويتصرف في ملكه ويدبر أمره ، ثم يصبح بتجاربه وعقله ملكا ترغب الملوك في التقرب منه ، ويخاف العدى بأسه وسطوته ، ويظهر في مظهر من طيب الأخلاق لا يضاهيه من تسلسل فيهم الحكم والملك ، وتنقلوا في السلطان كابرا عن كابر ، لكن هي التربية إذا حسنت أتى صاحبها بالعجائب ، والنفوس إذا صفت جبل الخلق على حبها ، والإرادات متى سلمت استمات الناس دونها ، وبهذا كان الناس ولا يزالون يحكم كبارهم صغارهم ، ويصبح المملوك ملكا مطاعا والمسود الخامل سيدا نابها ، وكم من عصامي أفلح ، ومن عظامي أخفق . قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع ومن المماليك الذين حكموا في الشام فأصبحوا ملوكا في هذا الدور أيضا بنو أرتق ، نسبة لجدهم أرتق بن أكسك وقيل أكسب التركماني ومن مماليك ملكشاه بن آلب أرسلان . تغلب أرتق على حلوان والجبل