محمد كرد علي
179
خطط الشام
كثيرة عقد الصلح بين الخليفة العباسي وبين هارون سنة 286 ، فبقيت حلب للخليفة وما زالت الدولة بالفعل بالشام ومصر لبني طولون وبالاسم لبني العباس حتى سنة 292 ، وقد بعث المكتفي العباسي ، مع محمد بن سليمان جيشا فاستولى على دمشق ، ثم سار إلى مصر وذبح بني طولون وهم عشرون إنسانا ، ذبحهم بين يديه هم وقوادهم كما تذبح الشياه ، وأشخص من أبقى عليه من آلهم وقوادهم إلى بغداد ، فانقرضت بذلك الدولة الطولونية . لا جرم أن روح الطولونيين هي روح العباسيين تطورت بتطور الأقطار التي استولوا عليها . وعلى كثرة ما بذل الطولونيون من أسباب التقرب من خلفاء بغداد لم يسكت العباسيون عنهم . تقربوا إليهم بالصهر والأموال والطاعة فلم يرضوا عنهم . ولما قوي جيش العباسيين قرضوهم وقتلوا قوادهم . وفي استيلاء الطولونيين على الشام شعرت الأمة أنها مستقلة عن العباسيين ، وأن في استطاعتها إذا جهزت لها جيشا عظيما كجيش أحمد ابن طولون وابنه خمارويه أن تستقل ، لأن قوة بني العباس لم تعد كما كانت ، بمعنى أن ابن طولون هتك ستر الخلافة ، فطمع فيها عمال الأطراف . والدولة الطولونية دولة عمران ، عمرت الأرجاء في أيامها ، ورأت مصر والشام أنهما إذا ألفتا حكومة واحدة تصبحان دولة قوية يرهب بأسها . وقد أكثر الشعراء من رثاء الدولة الطولونية ومما قاله بعضهم : فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله * لفقدهم فليبك حزنا على مصر ليبك بني طولون إذ بان عصرهم * فبورك من دهر وبورك من عصر