محمد كرد علي

138

خطط الشام

سئل عبد اللّه بن عباس عن معاوية فقال : سما بشيء أسرّه واستظهر عليه بشيء أعلنه ، فحاول ما أسر بما أعلن فناله ، وكان حلمه قاهرا لغضبه ، وجوده غالبا على منعه ، يصل ولا يقطع ، ويجمع ولا يفرق ، فاستقام له أمره وجرى إلى مدته . قيل : فأخبرنا عن ابنه قال : كان في خير سبيله ، وكان أبوه قد أحكمه وأمره ونهاه فتعلق بذلك وسلك طريقا مذللا له . وسئل علي ( رض ) عن بني أمية فقال : أشدنا حجزا ( صبرا ) وأطلبنا للأمر لا ينال فينالونه . الخلاف بين الأمويين وخصومهم من العلويين ما زال يقوى ويضعف ، وما هو إلا خلاف سياسي نشأ من النزاع على الملك ، وليس من الدين في شيء . فليس إذا من العقل أن تتسلسل هذه الأحقاد في الأمة وتتفرق شيعا ، وتظهر بمظهر النصب أو التشيع ، ويزكي فريق من يحبهم حتى يخرجهم عن طور البشر ، ويطعن في آخرين حتى يسلخ عنهم كل ما يمتازون به من الصفات الكاملة ويخرجوهم عن الملة . أهل الإسلام يحبون الخليفة الرابع ، ويعرفون له صفات غرّا يفاخرون بها على غابر الدهر ، ولكن من تحبه لا يجوز لك أن تغضي عن هفواته ، أو أن تذكر لخصمه مزاياه . أريد أن أقول : إن مسألة الخلافة بين علي ومعاوية قد مضى عليها الزمن ، وكان لكل منهما اجتهاده ، وهي من المسائل المؤلمة في تاريخنا ينبغي لنا أن ندرسها بإنصاف لا أن نقول مع القائلين « ونسكت عما شجر بينهم » ، ولا أن نبالغ فيما وقع ونتعصب لفريق على آخر ، فالأمة يجب عليها أن تعرف مواطن الضعف والقوة من جسمها ، وتكشف حقائق ماضيها لأنها ابنة حوادث ماضية ، والواجب في البحث أن لا يثير في النفوس أحقادا ، ولا ينشئ في أجزاء الأمة فرقة متلفة ، ولا يرتكب معه سوء أدب مع عظماء أسسوا مجد الأمة على أمتن الدعائم ، ووضعوا بناءها على القومية العربية ، وكانوا مثال التساهل مع أبناء الأديان الأخرى . أهل الإسلام في الشرق جديرون بأن يكونوا كأهل النصرانية في الغرب ، تحاربوا حروبا دينية سالت فيها الدماء أنهارا بين البابوي والبرتستانتي ، ثم