محمد كرد علي

111

خطط الشام

في جموع كثيرة فخاف أن يشغلوه عما يحتاج إلى تدبيره وأحكامه خصوصا بعد خروجه من وقعة صفين فوجه إليهم فصالحهم على مائة ألف دينار . وكان معاوية أول من صالح الروم ، فلما استقام له الأمر أغزى أمراء الشام على الصوائف فسبوا في الروم سنة بعد سنة ، وطلب صاحب الروم الصلح على أن يضعف المال فلم يجبه ، ورضي مرة بصلح ملك الروم على أن يكون عنده من أهل بيت ملكهم رهائن . وحدث سنة 34 أن معاوية كان يستعد لقصد القسطنطينية ويعد السفن الكثيرة بمدينة طرابلس ويحمل من السلاح أمرا عظيما أن أخوين لرجل يقال له بقنطر ، وكانا في خدمة العرب ، فلما نظرا ما أعده معاوية أخذتهما الغيرة فأتيا السجن ففتحاه وأخرجا من فيه من الروم وقتلوا عامل البلد وأحرقوا السفن والعدة وركبوا البحر . فلما بلغ معاوية ذلك جهز جيوشا كثيرة إلى الروم فافتتح أرضا كثيرة وسبى من أهلها مئة ألف إنسان وبعث أخاه على البحر فانهزم الروم بحرا أيضا ، ثم تعددت وقائعه مع الروم . ومن وقائعه وقعة سنة 31 . ولولا النار التي اخترعها الروم لإحراق السفن ، وبها حرقت سفن كثيرة للعرب وهلك ألوف من رجال بحريتهم ، لامتدت الفتوحات ولسهل على معاوية فتح القسطنطينية كما سهل عليه غزو الروم لتحصينه سواحل الشام وإقامته الصناعة في صور وعكا وغيرها من مدن الشام . توفي معاوية سنة 60 بعد أن وطأ أكناف الملك وابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها ، منها أنه أول من وضع الحشم للملوك ورفع الحراب بين أيديهم ، ووضع المقصورة التي يصلي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفردا عن الناس ، وهو أول من وضع البريد ، واخترع ديوان الخاتم واستخدم النصارى في مصالح الدولة ، فعهد بنظارة المالية إلى منصور وسرجون من نصارى العرب الشاميين . أوصى معاوية بني أمية فقال : إنه لما قرب مني ما كان بعيدا ، وخفت إن يسبق الموت إليّ ويسبقكم بي سبقته إليكم بالموعظة لأبلغ عذرا ، وإن لم أردّ قدرا ، إن الذي أخلفه لكم من دنياي أمر تشاركون فيه أو تقبلون عليه ، وإن الذي أخلف لكم من