محمد كرد علي

110

خطط الشام

الأمور مباحا كان أو محظورا . كما هو معروف عنه ، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير . وندور المخالف معروف . ثم قال : إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية ، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس ، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم ، ولا يعاب عليهم إيثارهم أبناءهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء ، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك . وكان الوازع دينيا فعند كل أحد وازع من نفسه ، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره . ووكلوا كل من يسمو ذلك إلى وازعه ، وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك ؛ والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني ، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف . ومن جملة وصايا معاوية لابنه يزيد في أهل الشام : « أنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك ورعيتك ، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم ، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم . ولما قدم مشيخة أهل الكوفة على معاوية كان فيما سألهم عنه رأيهم في أهل الأحداث من الأمصار فقال أحدهم : وأما أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم . غزوات معاوية وأعماله ووصيته : ومما يجب أن يذكر لمعاوية أنه مع اشتغال ذهنه بالملك لم يغفل قط عن إنشاء أسطول عظيم غزا به الروم وغزا القسطنطينية غير مرة وأغزى الروم مرارا ، وكان يغزو الصوائف والشواتي أي غزوات الصيف والشتاء ، وخص قوما من رجاله بتولي هذه الغزوات وبلغه أن الروم سنة 41 قد زحفت