لسان الدين ابن الخطيب

72

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس )

أمل ميسّر ، ومجمل يحتاج أن يفسر ، فأوضح الملغز ، وأبن لي الطلا من البرغز ، وسل عمّا بدا لك فهو أجدى لك ، فأقسم لا تسألني عن غامض ، وحلو وحامض ، إلا أوسعته علما وبيانا ، وأريتك الحق عيانا . قلت صف لي البلاد وصفا لا يظلم مثقالا ، ولا يعمل في الصدق وخدا ولا إرقالا « 343 » ، وإذا قلتم فاعدلوا ومن أصدق من الله مقالا . فقال سل ولا تسل ولو راعك الأسل . قلت أنقض لي البلاد الأندلسية من أطرافها ، وميّز بميزان الحق بين اعتدالها وانحرافها ، ثم اتلها بالبلاد المرينية نسقا ، واجل بنور بيانك غسقا وهات ما تقول في جبل الفتح « 344 » . قال فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الإقليم ، ولطيفه السميع العليم ، وقصص المهارق ، وأفق البارق ، ومتحف هذا الوطن المباين للأرض المفارق . مأهل العقيق وبارق ، ومحطّ طارقها بالفتح طارق ، إرم البلاد التي لم يخلق مثله فيها ، وذا المناقب التي لا تحصرها الألسنة ولا توفيها حجزه البحر حتى لم يبق إلا خصر ، فلا يناله من غير تلك الفرصة ضيق ولا حصر . وأطلّ بأعلاه قصر ، وأظله فتح من الله ونصر ، ساوق سوره البحر فأعياه ، قد تهلل بالكلس محيّاه ، واستقبل الثغر الغريب فحيّاه ، وأطرد صنع الله فيه من عدو يكفيه ، ولطف يخفيه ، وداء عضال يشفيه ، فهو خلوة العبّاد ومقام العاكف والباد ، ومسلحة من وراءه من العباد ، وشقّة القلوب المسلمة والأكباد . هواؤه صحيح ، وثراه بالخزين شحيح ، وتجر الرباط فيه ربيح ،

--> ( 343 ) الوخد والإرقال السير السريع ( 344 ) جبل الفتح هو جبل طارق بن زياد وهو يسمّى اليوم . Gibraltar وهذا الجبل كان يطلق عليه قبل الفتح الإسلامي أسماء عديدة أهمّها الاسم الفينيقي Calpe ومعناه تجويف ، إذ كان هذا الاسم يطلق أصلا على مغارة كبيرة في هذا الجبل عرفت فيما بعد باسم مغارة القدّيس ميخائيل . San Miguel وبعد الفتح الإسلامي عرف هذا الجبل باسم الصخرة وجبل الفتح كما عرف أيضا بجبل طارق وهو الاسم المعروف به حتى اليوم . ومضيق جبل طارق أو بحر الزقاق ، ذراع ضيّق من الماء يبلغ عرضه في أضيق جهاته حوالي 15 ك . م وهي مسافة لا وزن لها من ناحية الانتشار العسكري بين الشاطئين الإفريقي والإسباني . ومن هنا نشأ صراع تقليدي مستمر بين الشاطئ الأوروبي والشاطئ الإفريقي حول السيطرة على هذا المضيق ، منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحاضر انظر ( Jose Carlos de Luna : Historia de Gibraltar ) راجع كذلك ما كتبه زيبولد Seybold من هذا الموضوع في ( Ene . IsI . II P . 179 . 180 )