لسان الدين ابن الخطيب

71

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس )

فماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى * فما انقاد للزجر الحثيث ولا لأنا جزينا صنيع الله شرّ جزائه * فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا فيا ربّ عاملنا بما أنت أهله * من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا ثم قال : لقد مات أخواني الصالحون * فما لي صديق ولا لي عماد إذا أقبل الصبح ولىّ السرور * وإن أقبل الليل ولىّ الرقاد فتملكتني له رقّة ، وهزّة للتماسك مسترقة ، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره ، وراع شاءه وعكره ، وغطّى بفضل ردنه سكّره ، فقلت له على رسلك أيها الشيخ ، ناب حنّت إلى حوار ، وغريب أنس بجوار ، وحائر اهتدى بمنار ، ومقرور قصد إلى ضوء نار ، وطارق لا يفضح عيبا ، ولا يثلم غيبا ، ولا يهمل شيبا ، ولا يمنع سببا . ومنتاب يكسو الحلّة ، ويحسن الخلّة ، ويفرغ الغلّة ، ويملأ القلّة : أجارتنا إنا غريبان هاهنا * وكلّ غريب للغريب نسيب فلمّا وقم الهواجس وكبتها ، وتأمّل المخيلة واستثبتها ، تبسّم لما توسّم ، وسمح بعد ما جمح ، فهاج عقيما فتر ، ووصل ما بتر وأظهر ما خبّأ تحت ثوبه وستر ، وماج منه البحر الزاخر ، وأتى بما لا تستطيعه الأوائل ولا الأواخر . وقال وقد ركض الفنون وأجالها ، وعدّد الحكم ورجالها ، وفجّر للأحاديث أنهارها وذكر البلدان وأخبارها . لقد سئمت مآربي * فكأنّ أطيبها خبيث إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث فلما ذهب الخجل والوجل ، وطال المرويّ والمرتجل ، وتوسّط الواقع وتشوّفت للنجوم المواقع ، وتوردت الخدود الفواقع ، قلت أيها الحبر ، واللج الذي لا يناله السّبر ، لا حجبك قبل عمر النهاية القبر ، وأعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول والجبر ، كأنّا بالليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع ، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع ، ومفرّق الأحباب وهو الصبح قد طلع ، فأولني عارفة من معارفك أقتنيها ، واهزز لي أفنان حكمك أجتنيها . فقال