لسان الدين ابن الخطيب
37
خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس )
وكان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة « 106 » حرسها الله ، وما بسطة محل خصيب ، وبلدة لها من اسمها نصيب ، بحر الطعام ، وينبوع العيون المتعدّدة بتعدّد أيام العام . ومعدن ما زيّن للناس حبّه من الحرث والأنعام . يا لها من عقيلة ، صفحتها صقيلة ، وخريدة ، محاسنها فريدة ، وعشيقة ( نزعاتها ) « 107 » رشيقة ، لبست حلي « 108 » الديباج الموشى ، مفضّضة بلجين الضحى ، مذهّبة بنضار العشا « 109 » ، وسفرت عن المنظر البهي ، وتبسّمت عن الشنب الشهي وتباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشمّاء بغصونها ، فوقع النفير وتسابق إلى لقائنا الجم الغفير ، مثل الفرسان صفّا ، وانتشر الرّجل جناحا ملتفّا « 110 » ، واختلط الولدان بالولائد ، والتمائم بالقلائد في حفل سلب النهى « 111 » وجمع البدر والسهى ، والضراغم والمها ، وألّف بين القاني والفاقع ، وسدّ بالمحاجر كوى البراقع ، فلا أقسم بهذا البلد وحسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلّق : بلاد بها الحصباء در وتربها * عبير وأنفاس الرياح شمول تسلسل منها ماؤها وهو مطلق * وصحّ نسيم الروض وهو عليل رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب ، وأخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب ، وكفاها بمسجد الجنّة دليلا على البركة ، وبباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر . إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع ، وكدّرت القرى بالقراع ، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيّم من التبريح ، وكلّما شكت إليها المضارب شكوى الجريح ، تركتها بين المائل والطريح .
--> ( 106 ) بسطة وهي مدينة Basti القديمة وتعرف اليوم باسم Baza وتقع في شمال شرق غرناطة بنحو 123 ك . م ويروي صاحب الروض المعطار ص 45 أن هذه المدينة كانت مشهوره بمنتجاتها الزراعية ولا سيما الزيتون ، وبمنسوجاتها الحريرية وينسب إليها الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير ( 107 ) كذا في ( ب ) وفي ( ا ) نزعتها ( 108 ) في ( ب ) حلة ( 109 ) العسي في ( ا ) ( 110 ) في ( ا ) متلفا ( 111 ) في ( ا ) النها .