قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

443

الخراج وصناعة الكتابة

التي تسلك في افنائه وتمحيقه ، هو أن يقصد الملك لعلم ما كان يجهله ، وتفهم ما كان غير فهم به فإنه عند وصوله إلى ذلك ، يزول عنه ما كان متشعبا في نفسه من فنون الهوى ، ويضمحل ذلك أو جله ويتلاشى ، والهوى فمما لا ينبغي للملوك أن يحذروا شيئا ، أشد من حذرهم منه ، والا يكونوا مجاهدين لعدو من أعدائهم قبل مجاهدتهم له ، فإنه إذا عجز الملك عن مجاهدة هواه الخاص به كان أولى بالعجز عن غير ذلك مما [ هو ] « 2 » خارج عنه فقد كان يقال من كان عقله لا يقوم بمصلحة خاصة لم يكن أهلا لان يستصلح به أمر عامته . ثم العفة من رأى أن السخاء من الكرم [ بأن يقال إن الكرم ] « 3 » انما يستحق بالسخاء ، وذكر كما قدمنا انهما جنسان لا يعم أحدهما الاخر ولا يدخل تحته . وذكر اختلاف أهل المشرق والشمال في المواهب ، وانها أنفس ما جرى في باب الكيفية ، أو ما كان داخلا في معنى الكمية وفضل مواهب الكيفية على مواهب الكمية ، لدخول الحكمة وسائر الصناعات في باب الكيفية . وقال : بعد ذلك لما صحح ان السخاء والكرم ممدوحان انهما بالملوك أزين وباخلاقهم أبهى وأحسن . وحكي قول شاعرهم المعروف بهوميروس حيث قال [ أنظر : أرسطو كتاب السياسة وتدبير الرياسة ، ص 13 ( مخطوط ) ] : « لا ينال المراتب بخيل ولا يرتقى الدرجات العليا الا كريم » . وقد قال قائلون : ان من السخاء الامساك عما في أيدي الناس ، مما لا حق يوجب أخذه منهم ، وليس هذا من السخاء ، ولا من الكرم ، بل هو في طريق المروءة اذهب وأمضاها الزم . ومما ينبغي أن يكون الملك مجبولا عليه ومكتسبا لتقويته في نفسة ، عظم الهمة ، إذا كان ليس من شأن الملك الا أن تكون كل أفعاله الانسانية مبالغا فيها ينحو نحو الغاية القصوى على حسب قدره من المنزلة ، وعلوها ومحلة من ارتفاع الدرجة

--> ( 2 ) ليست في : س ، ت . ( 3 ) ليست في س ، ت .