قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

444

الخراج وصناعة الكتابة

وسموها ، ويحتاج الملك أن يكون شجاعا والشجاعة ضربان ، أحدهما الصبر على النوازل الملمة والخطوب النائبة . والاخر الجرأة على الملاقاة والمنازلة على الحرب والمباطشة ، فان اجتمع الصنفان للملك فهو الكامل ، والا أجزاه أن يكون الضرب الأول منهما . ومما يحتاج الملك اليه ، أن يكون بعيد الفكر متطلعا نحو العواقب ، ذا عزيمة في نفسه وشكيمة في رأيه ، حتى إذا صح عنده ما يوافق الصواب ، وان كان فيه بعض المخاطر أمضى تدبيره فيه ولم ينكل عنه ولا يداخله فشل فيه ولا خوف منه ، والحلم فلا يصلح أن يكون الملك غير لابس له لأنه في أول الأمر بها يكسبه زينة ويكسوه وقارا وبهجة ، ثم يتلوا ذلك أن يصل إلى رعيته ، ومن يسوسه من الناس نفعة ، لان ذلك إذا كان معه سهل السبيل إلى التثبت « 4 » في مواضع العقوبات على الاجرام التي يتكون بعضها واقعا على شبهة ، وبعض جاريا بسبب أقوال كاذبة ، وبعض على سبيل حيلة وعلى وجه معاداة غيلة ، فإذا كان مع الملك حلم ووقار وترفق وثبات ، لم تقع عقوبته الا في حقها ، ولا مجازاته الا في موضعها ، ولم يكن منه ما يوجب الذم ولا وقع من جهته ما يذكر معه ندم . ومما لا يصلح مفارقة الملك إياه ولا خلوه منه الصدق في وعده ووعيده ، فإنه إذا كان حليما متثبتا ، لم يعد الا ما يتيقن قدرته على الوفاء به ، ولم يتوعد الا من يستحق أن يتوعده ، بمثل ما يوجبه جرمه ، ولم يتهدد أيضا الا بما له أن يفعله ، فإذا وعد في حقه وواعد في كنهه لزمه أن ينجز ما وعده ولا يخلف ما توعد به . ومن كمال الخلال التي قدمنا حاجة الملك إليها ، أن يكون عادلا في نفسه مكتسبا لما حفظ هذه الفضيلة ، وزاد عليها بجودة البحث « 5 » وعم الصواب كل أحواله ، واستقامت الخلال المحمودة التي تكون معه ،

--> ( 4 ) في س : التثبيت . ( 5 ) في س : بالبحث .