قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

442

الخراج وصناعة الكتابة

الباب التاسع في أخلاق الملك وما يجب أن يكون عليه منها في ذات نفسه ليس أحد أولى بسياسة نفسه ورياضتها ، على التهذيب ، والاستقامة ، والعقل ، والفضيلة ، والرأي والرجاحة من الملك ، لأنه إذا فعل ذلك كان حقيقا في أول الأمر ، أن يرى نفسه فوق من هو سائس له مستوجبا للعلو على من هو دونه ، إذ كان ليس من الحق أن يكون الأدنى فوق « 1 » الاعلى ولا الأقصى متقدما للأفضل ، ولا الجاهل مملكا على العاقل . فأول ما ينبغي أن يكون من صيغة الملك العقل فإنه أفضل قوى النفس ، والعاقل أثير مكرم مرأس مقدم عند من به من الناس اليه حاجة ، وعند من لا حاجة به اليه ، والعقل منه مخلوق مع أول الفطرة ، ومنه مستفاد ومكتسب بعد ذلك باقتناء العلوم الحقيقية ، والتجربة البادرة ، عن الفهم والروية ومجاراة ذوي الآراء الوثيقة وأهل الآداب الصحيحة ، فإذا كان مع الملك العقل الأول أمكنه أن يضيف اليه اكتساب الثاني ، وإذا اجتمعا قويا قوة لا يحتاج معها إلى وصية ، صار الملك بهم إلى السعادة التامة في الدنيا والآخرة . وقد يعترض بينهما ويعوق عن اجتماعهما الهوى ، وغلبته وكثرة فنونه ، وتشعبه فليحذر الملوك من تسلطه ، فأنما هو كالنار التي تنمي من ضعف وقلة ، وتسعر من الشرارة الدنية ، حتى إذا اضطرمت وقويت ، لم يدرك اطفاؤها بالهوينا والحال السهلة ، فإذا دوركت قبل أن تقوى وبودر باضعاف الهوى قبل ان يتمكن ويشظى كانت القدرة عليه أسهل واستدفاعه قبل تمكنه أولى وأيسر ، وأمثل الطرق المأخوذ فيها بجسمه ، وأخلق السبل

--> ( 1 ) في س : الأذى .