قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
440
الخراج وصناعة الكتابة
وقد قال بعض الشعراء اليونانيين : شعرا صورة الشعر لما ثقل من لسانهم إلى العربية وبقي معناه ( وهو الشيخ عند الاحداث رجل سوء ) . والملك الذي يقصد لإقامة الناس على العدل ويقودهم نحو الواجب مضطر إلى أن يكون كما قدمنا مهيبا ، مخوف الجانب ، يرهب الناس بأكثر مما يرغبهم ، ويشتد عليهم بأزيد مما يلين لهم ، ويكون معه من الغلظة أضعاف ما يكون معه من الرأفة ، لان الذي يجده مستحق السطوة بغية أكثر من مستوجب الرأفة بصالح سعيه [ إذا كان القليل من الناس ذوى هدى وحسن استقامة والكثير ] « 2 » منهم أهل حسب وعرامة . ويجتمع للملك بهيبته مع صلاح رعيته صلاح أعدائه ، ومن يقدر غلبته على مملكته ممن هو مقارب له أو نأى عنه ، فان في قول رسول اللّه صلى اللّه عليه [ وسلم ] « 3 » دليلا بينا على ما قلته وذلك حيث قال ( نصرت بالهيبة دون غيرها ) فيما كان فيه من الاخلاق الرضية والحكم البليغة والشيم الشريفة وقد جاء في الأثر ما وزع اللّه بالسلطان أكثر مما وزع بالقرآن ، لان القرآن انما هو حكم ومواعظ وترغيب في الجنة وتخويف من النار ، فلا جرم ان أكثر الناس لم ينقد لما وجب عليه من الوعظ والانذار دون ما انزل بهم من التأديب والايقاع ، وهذا كله أكبر دليل على أن الهيبة من أخص أدوات الملوك التي يكون معها من العامة البغضة ، ومما فيه دليل على ما قلته من ذلك أيضا قول شاعر العرب يذكر سادتهم وقياس السادة فيهم
--> ( 2 ) ليست في س ، ت . ( 3 ) أضيفت من س .