قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
439
الخراج وصناعة الكتابة
يأخذه بالهوينا ، وعلى جهة التشفيق يحتاج إلى أن يكون من المخاطرة بمهجته وتجشم الأمور التي يقيم بها أود مملكته ويصلح معها شأن من يتولى سياسته بمنزلة الحال ، في قلة مهواتها هلكة فأن لم يكن معه من شدة النفس وقوة الشكيمة ما يمضي به الأمور العظام التي يحتاج في الملك إلى امضائها ، اضطربت الأحوال التي هو مضطر إلى تقويمها ، والتاثت الأسباب التي يقصد لنظمها وتعديلها ، فان أيسر مخاوف الملوك انهم يحتاجون إلى أن تتمكن رهبتهم في نفوس الرعية ، ومن ينأ عنهم من الأعداء في المحال النائية ، ومع اشتداد الهيبة من الناس اللشيء يقع لهم اضطرار بغضه ، ويتمكن في نفوسهم بغضه ومقته والشنأن له والابتهاج بمأساة وخالف محبته على أن هذا المقت للملوك لا يخلو من أن يخالطه الاستكانة ، ويشوبه الخضوع والمهانة ، ولا تكون المحبة للملك من رعيته نافعة ، الا أن يكون معها هيبة ، فأن مما هو معلوم من الحكم القديمة « انه الا ينفع الانسان محبته من فوقه « 1 » ، الا ان يكون معها رحمة ، ولا محبة النظير له الا أن يكون معها شفقة ، ولا محبة من دونه الا أن يكون معها هيبة » . ولما قدمناه من بغض العامة للملوك ما قال اردشير بن بابك : في عهده ( ان من صيغ العامة بغض الملوك ) وفي هذا القول ، إذا أتى مطلقا ما يعجب منه لان من يسمعه ولا يعرف سببه ينكره ، ويتعجب من كونه ، والسبب فيه ان في صيغ الناس محبة ، الفراغ والكراهة لمن يأخذ على أيديهم ينحوا بهم نحو الاستقامة ويمنعهم من الجري على ما تقوده اليه نفوسهم من اتباع الهوى والإرادة . ومن هذا بغض الصبيان للمؤدبين وكراهة الاحداث للمشايخ .
--> ( 1 ) في س ، ت : مؤه .