قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

438

الخراج وصناعة الكتابة

الباب الثامن في أن النظر في علم السياسة واجب على الملوك والأئمة لما كان هذا النظر مما يلزم الملوك تعلمه ، ويليق بهم تقبله ، فقد يحق على أفاضلهم دراسته ، ويجمل بهم وعيه وتحفظه ، لأنهم إذا فعلوا ذلك حتى يحكموا أسبابه وعلله استقامت آراؤهم ، وإذا استقامت آراؤهم صلحت أفعالهم ، وإذا صلحت أفعالهم عمّ نفع ذلك رعاياهم وجميع من يكون أمورهم . وان الصلاح والفساد اللذين يكونان في الأزمنة والأوقات ، انماهما باستقامة أفعال الملوك وأعوجاجهم فإذا صلحت تدبيراتهم بصواب الرأي وسداد الفعل في وقت ، نسب ذلك الوقت إلى أنه وقت حميد وزمان شديد وإذا فسدت أحوالهم واضطربت مجاري أمورهم في آخر نسب الوقت الذي يقع فيه هذا إلى أنه وقت شديد ، بما يعرض لأهله من الفساد وسوء التدبير ، وأكثر الناس يظنون أن الملك يجري مجرى سائر الرياسات التي تستقيم لأكثر من منصب فيها ، لما شاهدوه وجرى في عاداتهم من أن كل من يوضع في رئاسة ما يقوم بها وترجوا أفعاله فيها ، وان كان غير مستحق لها ولا مضطلع بشأنها ، لان خلله أما أن يكون مضرا يشعر به ، أو يكون مما لا يتلافاه أعوانه وكفاته ، أو يكون آخر أمره معروفا ، فيهون صرفه والاستبدال به غيره ، والملك فلا يحتمل خلة من الخلال التي ذكرناها ، لأنه أشرف منازل البشر قدرا وأعظم الأمور خطرا ، فأن الملك المقيم لنظام الملك بالتحقيق لا بالذي