شكيب أرسلان
303
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
« ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد ، الذي لا يصلح لغير الجهاد ، فلا يستهلكه اجمع في العقار ، فيصبح عرضة للذلة والاحتقار ، وساعيا لنفسه ، إن تغلب العدو على بلده ، في الافتضاح والاحتقار ، ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال » ولما ضعفت حامية الأندلس بعد ذهاب بنى عبد المؤمن ، وضاقت مسالك المسلمين في الجزيرة ، وتسامع بذلك أهل المغرب ، نفروا للجهاد ، وسابق إلى ذلك الأمير أبو زكريا بن أبي حفص ، صاحب إفريقية ( أي مملكة تونس ) فأمدّهم بالمال والرجال ، وأعطوه بيعتهم . ولما قامت دولة بنى مرين ، واستفحل أمر يعقوب بن عبد الحق ، واستبد بسلطنة المغرب ، وكان عظيم الاستعداد في نفسه لاحراز تلك المثوبة ، وبلوغ هاتيك الرتبة ، وأهمه شأن ابن أخيه إدريس بن عبد الحق ، لما وقع بينهما من من المنافسة ، واستأذنه عامر بن إدريس في الجهاد ، اغتنم هذه الفرصة ، وعقد له على ثلاثة آلاف من مطوعة زناتة ، وأجاز معه رحو ابن عمه ابن عبد اللّه بن عبد الحق . فكان لهم في الأندلس مقام كريم في الجهاد . ثم صارت الإجازة والجهاد شأن ذوى القرابة من ملوك المغرب المنافسين في الملك . والمزاحمين في الدولة . اغتناما للأجر والذكر . وتوسلا إلى قطع أسباب المنافسة بالغربة والانقطاع . وهؤلاء مثل أبناء أعمام الملوك من بنى مرين . الملقبين بالأعياص . ومثل عبد الملك يغمراسن ابن زيّان . وعامر بن منديل بن عبد الرحمن . وزيان محمد بن عبد القوى . فامتلأت الأندلس باقيال زناتة . وأعياصهم ( إلى أن أقول ) : ولما انتزى أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر على ابن عمه صاحب غرناطة ، كان شيخ زناتة بمالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس من آل عبد الحق ، فانتصر به أبو الوليد على ابن عمه ، ولما استتب له الأمر عقد له على الغزاة من زناتة ، وصرف عن تلك الرئاسة عثمان بن عبد الحق بن عثمان ، فلحق بوادي آش مع السلطان أبى الجيوش ، وصار حمو بن عبد الحق بن رحو من جملة عثمان ابن أبي العلاء إدريس ، بعد أن كانت الرئاسة له . وبعد صيت ابن أبي العلاء ،