شكيب أرسلان

302

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

الاسلام في الأندلس ثلاثة قرون ، كفت فيها نفسها مؤونة الجهاد ، وقامت وحدها في وجه العدو الذي كان قد انضم بعد التخاذل ، واستمسك بعد الاسترسال ، إلى أن انقرض حبل الخلافة المروانية ، وتشعبت الكلمة ، وصار الأمر إلى ملوك الطوائف فاستأسد الفرنج ، واقتحموا ثغور المسلمين ، وأجلوهم عن كثير من القواعد والضواحي فاستصرخ هؤلاء إخوانهم من وراء البحر ، بحسب الانقطاع في تلك الجزيرة ، فوافاهم مدد المرابطين من بنى لمتونة ، واستجاش يوسف بن تاشفين المغرب ، فرمى إليه بأفلاذ أكباده من زناتة وصنهاجة وغيرهما ، وأجاز إلى الأندلس بجحافله ، فرد عادية النصارى ، واسترجع كثيرا من القواعد ولم يلبث أن تأذن اللّه بانقراض أمد تلك الدولة ، وقيام دولة الموحدين بنى عبد المؤمن ، فاقتدوا بسلفهم في الجهاد ، وأجازوا إلى الأندلس على ظمأ من أهلها لنجدتهم ، فصدموا تقدم العدو ، وفلّوا غربه ، ولم يسعد الاسلام الحظ بطول انتظامهم ، وامتداد التئامهم ، فخامر دولتهم الضعف ، واستولى عليها الانقسام ، وظهر في عقبها الفشل ، وجاءت وقعة العقاب ، لعهد الناصر من أمرائهم ، الطامة الكبرى على الاسلام . فلم تقم له بعدها قائمة تحمد فيما وراء البحر ، وانجلى أهله أمام العدو المتقدم إلى سيف البحر . وحشروا في مملكة ابن نصر الذي ضم شملهم في غرناطة وجوارها . ورأى المسلمون أن الأمر كاد يفلت من أيديهم ، وان منزلهم هناك أصبح قلعة « 1 » ، وأن زيالهم لتلك الديار أضحى قريب الأجل كما يستدل على ذلك من كلام علمائهم وشعرائهم ، كقول أبى البقاء الرندى : قواعد كنّ أركان البلاد فما * عسى البقاء إذا لم تبق أركان وكقول غيره من قبله : حثّوا رواحلكم يا أهل أندلس * فما المقام بها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه وأرى * ثوب الجزيرة منسولا من الوسط وقول لسان الدين بن الخطيب وزير غرناطة الكبير ، من جملة نصيحته لأولاده :

--> ( 1 ) منزل قلعة بضم أوله أي لا بد من الرحيل عنه