شكيب أرسلان
258
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
ولما مات سليمان بن هود كان له خمسة أولاد ذكور ، قد قسم عليهم البلاد في حياته فولى أحمد ، ولده الثاني ، مدينة سرقسطة ، وولى يوسف ولده الأكبر ، مدينة لاردة ، وولى محمدا قلعة أيوب ، وولى ولده لبّا مدينة وشقة ، وولى المنذر تطيلة . إلا أن أحمد بن سليمان بعد وفاة أبيه صار يحتال على اخوته حتى أخرجهم من ولاياتهم ، ولم يمتنع عليه إلا يوسف أمير لاردة ، وكان هذا يلقب بحسام الدولة ، ولما رأى الأهالي أعمال أحمد بن سليمان بن هود باخوته كرهوه ، ومالوا إلى أخيه يوسف وقاموا بدعوته وكان هذا بطلا شهما ، إلا أنه كان سيىء البخت ، وكان أخوه أحمد خبيثا على جانب عظيم من المكر فأرسل إلى الطاغية بن ردمير يستعينه على أخيه ، وكان يوسف قد أرسل إلى بلاد ابن ردمير ميرة كثيرة ، فسرى احمد برجاله من سرقسطة ، وأخذ قوافل أخيه ، وانهزم رجالها ، فأخذهم النصارى أسرى ، ثم جاع أهل تطيلة ، فأرسلوا إلى يوسف يستغيثون به ، فبعث إليهم بارزاق كثيرة ، فخرج احمد وأخذ قوافل أخيه وما فيها من الميرة ، وقتل رجالها ، فلما رأى المسلمون في الثغر الأعلى ما رأوا من دهاء احمد ابن سليمان بن هود ، ومن سوء بخت أخيه يوسف ، خافوا على أنفسهم من احمد ، فأطاعوه ، ولم يبق في حوزة يوسف سوى لاردة ، وقد كانت هذه العداوة بين الأخوين هي السبب في فاجعة بربشتر التي تقدم ذكرها . وما زالت لاردة تابعة لسرقسطة إلى أن استولى الاسبانيول على سرقسطة وانطوى بساط الثغر الأعلى . وممن انتسب إلى لاردة من أهل العلم أبو محمد عبد اللّه بن هارون الأصبحى ، الفقيه الشاعر ، ترجمه ابن بشكوال وقال : ذكره لي أبو الحسن علي بن أحمد العائذي وأنشد له أشعارا أنشده إياها منها : كم من أخ قد كنت أحسب شهده * حتى بلوت المرّ من أخلاقه كالملح يحسب سكّرا في لونه * ومجسّه ، ويحول عند مذاقه وترجمه أيضا صاحب بغية الملتمس .