شكيب أرسلان

212

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

أما مؤرخو العرب فينسبون سقوط برشلونة إلى تأثير الفتنة التي أثارها سليمان وعبد اللّه ، عمّا الحكم الأموي ، وشغلته عن انجاد تلك المدينة ، كما جاء في كلام أبي الفداء وابن خلدون والمقّرى وغيرهم وهذا هو الصحيح . وبقيت برشلونة وما يليها من كتلونية ، حاشا طركونة ، ولاردة ، وطرطوشة ، خارجة عن حكم العرب ، حتى في زمن عبد الرحمن الناصر ، برغم كثرة غزواته ، وعظمة دولته . وقد ذكر المسعودي ، وهو ممن عاصر الناصر وولده المستنصر ، أن الحدود بين المسلمين والنصارى كانت في ذلك الوقت طرطوشة ، ومنها إلى أفراغه . وقال ابن خلدون انه لأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور ، فغزاهم الحكم المستنصر بنفسه ، ونازل شنت اشتابين ، وفتحها عنوة ، فبادروا إلى عقد السلم معه ، وانقبضوا عما كانوا فيه ، ثم أغزا غالبا مولاه بلاد جليقية وسار إلى مدينة سالم لدخول دار الحرب ، فجمع له الجلالقة ، فهزمهم واستباحهم . وكان شانجه بن ردمير ، ملك البشكنس ، قد انتقض ، فأغزاه الحكم التجيبى ، صاحب سرقسطة ، في العساكر ، وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم . ثم أغزا الحكم ابن يعلى ويحيى بن محمد التجيبى إلى بلاد برشلونة ، فعاثت العساكر في نواحيها قال ابن خلدون : ثم بعث ملكا برشلونة وطركونة يسألان تجديد الصلح ، وإقرارهما على ما كانا عليه ، وبعثا بهدية ، وهي عشرون صبيا من الخصيان الصقالبة ، وعشرون قنطارا من صوف السمور ، وخمسة قناطير من القصدير ، وعشرة أذرع صقلبية ، ومائتا سيف أفرنجية . فتقبل الهدية وعقد على أن يهدموا الحصون التي تضر بالثغور ، وأن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم ، وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الاجلاب على المسلمين . اه . ومن هنا يعلم أن برشلونة وطركونة ونواحيهما كانت في ذلك الوقت ، وهو أواسط القرن الرابع للهجرة ، في أيدي أهلها ، إلا أن ملوك تلك النواحي كانوا يعدون أنفسهم تحت سيادة الخليفة في قرطبة .