شكيب أرسلان
213
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
وفي زمن أبى مروان المظفر عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر كانت غزاة للمسلمين في كتلونيه ، لأن ابن عذارى ذكر أنه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة كانت أولى غزوات المظفر إلى بلاد الإفرنج ، وفتح حصن « ممقصر » من ثغر برشلونة عنوة ، وأسكنه بالمسلمين ودوّخ بسيط برشلونية ، وما اتصل به . قال ابن حيّان : وأظهر عبد الملك المظفر الجدّ في أمر هذه الغزوة ، غرة رجب من السنة ، أي 393 ، ودفع المعاريف والصلات إلى طبقات الأجناد الغازين معه فيها . ووافت الحضرة طوائف كثيرة من مطوعة العدوة المجاهدين ، فيهم جماعة كبيرة من أمرائهم وفقهائهم ، وتعرّض قوم من أمراء هذه القبائل لصلة عبد الملك ، فأطلق لهم عند تكاملهم ببابه خمسة عشر ألف دينار عينا ، وزّعها عليهم بحسب مقاديرهم ، معونة على جهادهم ، قبلوها منه بالتأوّل . وتحرّج آخرون ممن وافى معهم عن فعلهم واتصل ورود المطوعة من كل قوم ، وكل ناحية ، فتكاملت الحشود بالحضرة ، ودنا وقت الحركة ، فصبّ المال صبا . وعهد عبد الملك إلى خزان الأسلحة بتوزيع خمسة آلاف درع ، وخمسة آلاف بيضة ، وخمسة آلاف مغفر ، على طبقات الأجناد الدارعين . وركب عبد الملك إلى المسجد الجامع لشهود عقد الألوية ، على عادة أمراء الأندلس قبله وذلك يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان من تلك السنة ؛ ثم خرج يوم الاثنين لأحدى عشرة ليلة خلت من شعبان ، من باب الفتح الشرقي ، من أبواب الزاهرة ؛ وقد اجتمع الناس لرؤيته ، فخرج عليهم شاكي السلاح ، في درع جديدة سابغة ، وعلى رأسه بيضة حديد مثمنة الشكل ، مذهبة ، شديدة الشعاع ، وقد اصطفت القواد والموالى والغلمان في أحسن تعبئة ، وسار عبد الملك إلى أن نزل بمنية أرملاط ، أول محلاته ، ثم سار إلى أن وصل طليطلة ، لسبع بقين من شعبان فتلوّم بها يوم الجمعة ، ورحل يوم السبت إلى مدينة سالم ، فوافاه هناك عدة زعماء من وجوه النصارى وفرسانهم ، أرسل بهم ملك القوط يومئذ ، اذفونش بن أردن ، المعروف بابن البربرية