شكيب أرسلان
194
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
مما قد كان فجعهم من حادثتها ، فقال ابن عذارى : وشاع لابن هود صنيع في بلاد المسلمين لهذا الفتح الذي اتفق على يديه . ولكن ابن حيان يقول : ان اللّه تعالى كتب عليه من حادثة بربشتر ما لا يمحوه إلا عفوه . وبالاختصار يظهر للمتأمل أن جميع ما حل بالمسلمين من الفجائع في الأندلس انما كان نتيجة انقسامهم ، واشتغالهم بمحاربة بعضهم بعضا ، واستظهارهم بملوك الاسبانيول على إخوانهم ، ولما كانت الامارة الاسلامية موحدة في قرطبة والكلمة مجتمعة ، كان يبعد أن يقع بهم ما وقع في ما بعد ، وكانوا لو أصيبوا في حادثة واحدة لم يمض وقت حتى يجبروا كسرها ، بخلاف ما آل اليه أمرهم في زمن ملوك الطوائف ، عندما سقطت الخلافة في قرطبة ، ووقعت الفتنة الكبرى بين العرب والبربر ، وصارت كل مدينة من مدن الأندلس مستقلة بنفسها ، فيها أمير المؤمنين ومنبر . فأصل فساد أمر الأندلس انما كان من سوء أحوال أمرائها ، وتنزّى جميعهم على الملك ، غير ناظرين إلى العواقب ، وفي جانب هذا الفساد لم يكن من صلاح الفقهاء ما يقوّم الأود ، بل غلب على هؤلاء حب الدنيا ، كما قال ابن حيان في ما نقلناه عنه ، وهو عين ما ذكرناه نحن في رسالتنا المشهورة « لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟ » قلت في الصفحة 43 من الطبعة الأولى من تلك الرسالة : « ومن أكبر عوامل تقهقر المسلمين فساد أخلاق أمرائهم بنوع خاص ، وظن هؤلاء ، إلا من رحم ربك ، أن الأمة خلقت لهم ، وأن لهم أن يفعلوا بها ما يشأون ، وقد رسخ فيهم هذا الفكر حتى إذا حاول محاول أن يقيمهم على الجادة بطشوا به عبرة لغيره وجاء العلماء المتزلفون لأولئك الأمراء ، المتقلبون في نعمائهم ، الضاربون بالملاعق في حلوائهم ، وأفتوا لهم بجواز قتل ذلك الناصح ، بحجة أنه شق عصا الطاعة ، وخرج عن الجماعة . ولقد عهد الاسلام إلى العلماء بتقويم أود الأمراء ، وكانوا في الدول الاسلامية الفاضلة بمثابة المجالس النيابية في هذا العصر ، يسيطرون على الأمة ، ويسددون خطوات الملك ويرفعون أصواتهم عند طغيان الدولة ، ويهيبون بالخليفة فمن بعده إلى الصواب ، وهكذا كانت تستقيم الأمور ، لأن أكثر أولئك العلماء كانوا متحققين بالزهد ، متحلين بالورع ،