شكيب أرسلان
195
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
متخلين عن حظوظ الدنيا ، لا يهمهم أغضب ذلك الملك الجبار أم رضى ؟ فكان الخلائف والملوك يرهبونهم ، ويخشون مخالفتهم ، بما يعلمون من انقياد العامة لهم ، واعتقاد الأمة بهم . إلا أنه بمرور الأيام ، خلف من بعد هؤلاء خلف اتخذوا العلم مهنة للتعيش ، وجعلوا الدين مصيدة للدنيا ، فسوّغوا للفاسقين من الأمراء أشنع موبقاتهم ، وأباحوا لهم باسم الدين خرق حدود الدين . هذا والعامة المساكين مخدوعون بعظمة عمائم هؤلاء العلماء وعلو مناصبهم ، يظنون فتياهم صحيحة ، وآراءهم موافقة للشريعة ؛ والفساد بذلك يعظم ومصالح الأمة تذهب ، والاسلام يتقهقر ، والعدو يعلو ويتنمّر ، وكل هذا إثمه في رفاب هؤلاء العلماء » اه . وقد وضع الأستاذ فقيد الاسلام صاحب المنار رحمه اللّه حاشية على هذه الجملة قال فيها : وفّينا هذه المسألة حقها في المنار ، وأهمه مقالة في المجلد التاسع عنوانها « حال المسلمين في العالمين ودعوة العلماء إلى نصيحة الأمراء والسلاطين » أنحينا فيها باللائمة على علماء هذا العصر في تقصيرهم عن نصيحة الملوك والأمراء . اه . على أن فقهاء الأندلس برغم كل ما ثبت عنهم من التقصير في إقامة أمرائهم على الطريق المستقيم ، لا ننكر أنه ضاق ذرعهم أخيرا بفتن ملوك الطوائف التي كان من ورائها تقلص ظل الاسلام شيئا فشيئا ، فراسلوا المرابطين ومن بعدهم الموحدين ، في بر العدوة حتى أجازوا إلى الأندلس المرة بعد المرة وكانت مواقفهم في جهاد النصارى هي السبب في نسيئة أجل الاسلام في تلك البلاد مدة مائتين إلى ثلاثمائة سنة ومما يجب الانتباه إليه بمناسبة حادثة بربشتر هو العمران الزائد الذي وصلت اليه لذلك العهد أسبانية الاسلامية ، فأنت ترى أنهم عدّلوا سبى تلك البلدة بمائة ألف نسمه أو بخمسين ألفا ، ولا شك في أن أهلها لم يكونوا أجمعين من جملة السبي . والحال أن بربشتر لم تكن إلا مدينة من الدرجة الثالثة بالكثير في مدن الأندلس ، أي من المدن التي رافائيل بلستر أحصاها بثلاثمائة مدينة في أسبانية المسلمة . فلا هي من الحواضر الكبرى ، ولا هي في الثمانين مدينة المعمورة جدا ، بل هي في القصاب التي تأتى في