شكيب أرسلان
186
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
نزلوا عليها ، وجدّوا في قتالها وحصارها جدا عظيما ، فكان أهلها يقاتلونهم خارج مدينتهم ، وذلك في سنة ست وخمسين وأربعمائة . وكان الماء يأتيها في سرب تحت الأرض من النهر حتى يدخل إليها فيخترقها ، فخرج رجل من القصبة إلى الروم ودلهم عليه ، فساروا إليه وهدموه وحالوا بينه وبين الاتصال بفم السرب . فعدم أهلها الماء ، ولم يكن لهم صبر على العطش ، فراسلوا الروم في أن يسلموهم في أنفسهم وذراريهم ويسلموا إليهم البلد ، فأبى الروم من ذلك فجالدهم المسلمون إلى أن دخل الروم عليهم عنوة ، فقتلوا المقاتلة ، وسبوا الحريم والذرية وحصلوا منها على أموال جليلة ، فكان أشد الرزايا بهذه الجزيرة ، وحصل بأيدي الروم من نساء أهل بربشتر وذريتهم قرب المائة ألف ، حصل من ذلك في سهم رئيسهم اللعين أربعة آلاف قسمة ، اختارهن أبكارا ، من الثمانية أعوام إلى العشرة فأهدى منهن لملكه ما شاء . وكان هذا اللعين يسمّى بالبطيبين ؟ وذكر أنه حصل في سهمه أخزاه اللّه ، من أوقار الأطعمة والحلى والكسوة خمسمائة حمل . وكان الخطب في هذه المدينة أعظم من أن يوصف ، لأن الحال كان آل بهم إلى أن ألقوا بأيديهم بسبب الظمأ ، وخرجوا من المدينة ، وانتشروا في بسيط من الأرض . فلما رأى الطاغية ، ضاعف اللّه عذابه ، كثرتهم وانتشارهم ، خاف أن تدركهم حمية ، في استنقاذ أنفسهم فأمر ببذل السيف فيهم ، وبعضهم ينظر إلى بعض من رجال ونساء . فقيل إنه قتل منهم يومئذ نحو ستة آلاف ، ثم نادى برفع السيف عنهم ، وأمر بخروجهم عن المدينة بالأهل والذرية ، فبادروا الخروج منها مزدحمين على أبوابها ، فمات في ازدحامهم خلق كثير . ولما عرض جميع من خرج عن المدينة بفناء بابها ، بعد قتل من قتل منهم ضموا قياما ذاهلين منتظرين نزول القضاء بهم ، ثم نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار إلى داره بأهله وولده ، وأزعجوا لذلك . ولما استقروا بالدور مع عيالاتهم وذرياتهم ، اقتسمهم المشركون ، فكل من صارت في حصته دار حازها وما فيها من أهل وولد