شكيب أرسلان

187

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

ومال ، فحكم كل علج منهم في من سلط عليه من أرباب الدور ، بحسب ما يبتليه اللّه به منه ، يأخذ كل ما أظهر له ، ويعذبه فيما أخفى عنه . وربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح ، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من مقامه ذلك ، لأن عداة اللّه كانوا يومئذ يهتكون حريم أسراهم وبناتهم بحضرتهم ، إبلاغا في نكايتهم ( إلى أن يقول ) فبلغ الكفرة يومئذ منهم مالا تلحقه الصفة ، والحول والقوة للّه العظيم فلما استولى الروم على هذه المدينة المشؤومة ترك فيها اللعين الف فارس ، وأربعة آلاف راجل ، ورحل منها إلى بلاده . ولم يكن للنصارى قبل هذه الفعلة مثلها في بلاد المسلمين فلما رأى بن هود هذا الأمر نادى بالنفر للجهاد في سائر بلاد المسلمين ، فحميت نفوس أهل الاسلام ، وجاءه منهم خلق عظيم لا يحصى عدده ، ذكر انه وصل من سائر بلاد الأندلس ستة آلاف من الرماة العقّارة ، فنازلوا مدينة بربشتر وتأهبوا لقتال من ورد عليهم من الكفار ، فلما عاين الكفار قوة المسلمين وكثرة حماتهم ورماتهم أغلقوا أبوابهم ، وتركوا حربهم ، وعظم عليهم أمرهم ، فأمر ابن هود المقتدر باللّه بالنقب لسورها ، وأمر الرماة أن ينقبوا السور ، لئلا يمنع الكفرة النقّابة من النقب . فكان الروم لا يخرجون أيديهم من فوق السور ، فنقبوا شقة كبيرة ، ودعموا السور وأطلقوا النار في الدعائم ، فوقعت تلك الشقة واقتحم المسلمون البلد . ولما عاين الروم ذلك خرجوا من ناحية أخرى على باب آخر فاتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤوا ، ولم ينج منهم إلا اليسير ممن تأخر أجلهم . وسبوا كل ما كان فيها من عيالهم وأبنائهم وقتل من أعداء اللّه نحو الف فارس ، وخمسة آلاف راجل ، ولم يصب من جماعة المسلمين إلا نحو الخمسين . فاستولى المسلمون على المدينة ، وغسلوها من رجس الشرك ، وجلوها من صدأ الإفك قال البكري : أدخل منها سرقسطة نحو ألف سبية ، ونحو ألف فرس ، ونحو ألف درع ، وأموال وأثاث ، وكان أخذها في جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وأربعمائة ، فكان بين دخول الروم إليها وعودها للمسلمين سنة كاملة ، وشاع لابن هود