شكيب أرسلان

163

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

فليصير اليوم صبري تحت بطشته * مغلّلا أمتطى جمّ الغضا فرشا ثم ذكر لسان الدين شجاعته فقال : زعموا أنه خرج متصيدا ، وفي صحبته محاولون له ، وقارعوا أوتار الغناء في مائة من الفرسان ، فما راعهم إلا خيل العدو هاجمة على غرة ، في مائتين من الفوارس ، فقالوا : العدو في مائتي فارس ؛ فقال : وإذا كنتم أنتم لمائة وأنا لمائة فنحن قدرهم . فعد نفسه بمائة ، ثم استدعى قدحا من شرابه وصرف وجهه إلى المغنى وقال : غنّ لي تلك الأبيات ، وكان يغنيه بها فتعجبه : يتلقى النّدى بوجه حياء * وصدور القنا بوجه وفاح هكذا هكذا تكون المعالي * طرق الجدّ غير طرق المزاح فغناه بها ، واستقبل العدو وحمل عليه بنفسه وبأصحابه حملة رجل واحد ، فاستولت على العدو الهزيمة ، وأتى على معظمهم القتل ، ورجع غانما إلى بلده ، ثم انصرفت الأيام ، وعاد للصيد في موضعه ، وأطلق بازه على حجلة فأخذها ، وذهب ليذبحها ، فلم يحضره خنجر ، فبينما هو يلتمسه إذ رأى نصلا من نصال المعترك ، من بقايا الهزيمة فأخذه وذبح الطائر ، واستدعى الشراب وأمر المغنى ، فغناه بيتي أبى الطيب : تذكرت ما بين العذيب وبارق * مجرّ عوالينا ومجرى السوابق وصحبة قوم يذبحون قنيصهم * بفضلة ما قد كسروا في المفارق وقد رأيت من يروى هذه الحكاية عن أحد أمراء بنى مردنيش . وعلى كل حال فهي من مستظرف الأخبار . قال لسان الدين : وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة ، في جمادى الأولى منها ، قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة ، وداخل طائفة من ناسها ، وقد تشاغل الموحدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم ، وتوجه الوالي بغرناطة السيد أبو سعيد إلى العدوة ، فاقتحم ابن همشك غرناطة ليلا ، واعتصم الموحدون بقصبتها فنصب لهم المجانيق ، وقتلهم بأنواع من القتل . وعندما اتصل الخبر بالسيد أبي سعيد بادر إليها ، فأجاز البحر ، والتف به السيد أبو محمد ، والسيد أبو حفص ، بجميع