شكيب أرسلان
162
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
واستقر مع النصارى ، ثم انصرف إلى بقية اللمتونيين بالأندلس ، بعد شفاعة وإظهار توبة . ولما ولى يحيى بن غانية قرطبة ارتسم لديه برسمه ، ثم كانت الفتنة عام تسعة وثلاثين وثار ابن أحمر بقرطبة ، وتسمّى بأمير المؤمنين ، فبعثه ابن غالية رسولا ، ثقة بكفايته ودربته ، لمحاولة الصلح بينه وبين ابن أحمر ، فنبه قدره . ثم غلى مرجل الفتنة وكثر الثوار بالأندلس ، فاتصل بالأمير ابن عياض بالشرق وغيره ، إلى أن تمكن له الامتياز بحصن شقوبش ، ثم تغلب على مدينة شقورة « 1 » وتملكها ، وهي ما هي من النعمة ، فغلظ أمره ، وساوى محمد بن مردنيش أمير الشرق ، وداخله حتى عقد معه صهرا على ابنته ، فاتصلت له الرئاسة والامارة ، وكان سيفا لصهره المذكور مسلّطا على من عصاه ، فقاد الجيوش ، وافتتح البلاد ، إلى أن فسد بينهما ، فتفاتنا وتقامعا ، وانحاز بما لديه من البلاد والمعاقل ، وعد من ثوار الأندلس أولى الشوكة الحادة ، والشبا المرهوب ، بعد انقباض دولته . قال محمد بن أيوب بن غالب ، المدعو بابن حمامة : أبو إسحاق الرئيس شجاع بهمة من البهم ، كان جريئا شديد الحزم ، سديد الرأي ، عارفا بتدبير الحروب ، حمى الأنف ، عظيم السطوة ، مشهور الإقدام ، مرتكبا للعظيمة . قال بعض من عرّف به من المؤرخين : إنه وإن كان قائد فرسان ، فقد كان حليف فتنة وعدوان ، ولم يصحب قط متشرعا ، ولا نشأ في أصحابه من كان متورعا ، سلطه اللّه على الخلق وأملى له ، فأضر بمن جاوره من أهل البلاد . وقال لسان الدين : كان جبارا قاسيا ، فظا غليظا ، شديد النكال ، عظيم الجرأة والعبث بالناس ، بلغ من عبثه فيهم إحراقهم بالنار ، وقذفهم من الشواهق والأبراج ، وإخراج الأعصاب والرباطات عن ظهورهم ، عن أوتار القسي ، وضم أغصان الشجر العادي بعضها إلى بعض ، وربط الانسان بينها ، ثم تسريحها فيذهب كل غصن بحظه من الأعضاء . قال : ورآه بعض الصالحين في النوم وسأله : ما فعل اللّه بك ؟ فأنشده : من سره العيث في الدنيا بخلقة من * يصوّر الخلق في الأرحام كيف يشا
--> ( 1 ) Segura سيأتي ذكرها