الشيخ عبد الغني النابلسي
88
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
اليوم الرابع عشر [ الأحد 30 جمادى الآخرة - 9 نيسان / أبريل ] وهو يوم الأحد الرابع عشر من سفر هذه الرحلة ، وجنى شهد هذه النّحلة ، وهو آخر الأيّام الخمسة التي أدرك بها القلب أنسه ، فذهبنا سائرين إلى البلد المقدّس بعزم على حصول البركة إن شاء اللّه مؤسّس ، وخرج لوداعنا أهل نابلس من الخاصّ والعام وهم يتلون بين يدينا البراءة « 1 » الشريفة والصّلاة على النبي عليه الصّلاة والسلام ، حتى ذهب صحبتنا بعضهم إلى القدس الشريف ، وودّعنا بعضهم ورجع بشوق إلينا قويّ غير ضعيف ، وسار معنا جماعة منهم حتى وصلنا مكان قبر نبيّ اللّه العزيز « 2 » عليه السّلام ، وهو على أرض مرتفعة ، حوله بنيان قديم متهدّم ، وهناك أشجار من الزيتون وغيره . وضريحه عليه السلام كبير عال مبني بالأحجار والجير الأبيض ، وهو مدفون في مغارة كبيرة مبنيّة تحت ذلك القبر ، حتى إن اليهود يأتونه ويقصدون زيارته ، ووجدنا على قبره كتابات بخطهم ، فجلسنا هناك حصّة وقرأنا الفاتحة ، ودعونا اللّه تعالى بما تيسّر لنا من الدعاء ، ثم ركبنا وسرنا حتى وصلنا إلى قرية عورتا « 3 » ، بفتح العين المهملة وفتح الواو وسكون الراء ، والتاء المثنّاة بعدها ألف مقصورة ، فدخلنا إلى مسجد فيه مغارة يقال إنه دفن فيها أربعون من الأنبياء ، فصلّينا هناك ركعتين للّه تعالى ، وأكثرنا من الدعاء وخرجنا وزرنا فيها
--> ( 1 ) هي قصيدة الكواكب الدريّة في مدح خير البريّة لمحمد بن سعيد البوصيري المتوفى سنة 694 ه ، والمعروفة بالبردة وقد عارضها كثيرون منهم أحمد شوقي في نهج البردة ، والمؤلف الشيخ النابلسي يسميها البراءة تيمنا بمعنى « الشافية » . ( 2 ) كاهن ومستشار في بلاط الفرس ، تمكّن من إعادة بني قومه إلى القدس في القرن الرابع قبل الميلاد ، وعاد معهم فكان المؤسس الحقيقي لدولتهم بعد السبي ، وأخباره موجودة في سفر عزرا أي العزير وهو السفر الخامس عشر ، وقد زعم اليهود أنه ابن اللّه ، كما ورد في القرآن الكريم ، تعالى اللّه عن ذلك . انظر قاموس الكتاب المقدس / 622 . ( 3 ) عورتا على بعد 8 كم ج ش نابلس وهي قديمة العهد يقيم فيها اليوم ثمانية آلاف عربي ، انظر الهروي / 24 ، طبعة المعهد الفرنسي بدمشق سنة 1953 م ، والموسوعة الفلسطينية 3 / 362 .