الشيخ عبد الغني النابلسي

48

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

فأوقدوا لنا النار بالأحطاب ، وأضافونا بأنواع المآكل ، وقدّموا لنا عليق الدواب ، فما أكلنا من ضيافتهم مقدار ما أكلت منّا البراغيث ذوات الأذناب ، حتى تذكّرنا قول الشاعر الأول الذي إلى قوله هذا المعنى يتأوّل : أنزلنا الدّهر على معشر * تغرّ بالناس أحاديثهم / فما أكلنا من ضيافاتهم * ما أكلت منّا براغيثهم فيا لها من ليلة برغوثية باردة الأطراف والجوانب ، كأنّها شعر الخليّ من العشق الذي ليس له رويّة ، وقد قلنا فيها واستملينا نطق فيها : أيا ليلة قد ضمّنا خان سعسع * ونحن على نيل السّرور لنا حرص وبرد وبرغوث علينا توافقا * فهذا له قرض وهذا له قرص ولا بدع أن يكون للبرد هناك لواء منشور ، وقد شاب بالثلج رأس جبل الشيخ المشهور ، حتى أنطقنا الوارد في هذه الموارد : يا ليلة في سعسع لو لم نكن * في الخان كنّا مثل شكل الدّايخ وجبل الشيخ علينا بارد * والبرد من طبيعة المشايخ وقلنا كذلك : يا ليلة في سعسع * بتنا بها في خبل والثلج قد قابلنا * في جبل منجبل وقد عجبنا مذ بدا * وجه الربيع المقبل واخضرّ شارب الربى * وشاب رأس الجبل