الشيخ عبد الغني النابلسي

49

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

اليوم الثالث [ الأربعاء 19 جمادى الآخرة - 29 آذار / مارس ] فلما أصبحنا في اليوم الثالث وهو يوم الأربعاء الميمون سرنا على بركة اللّه تعالى ، شارحين الصّدور منّا بركوب المتون ، ودخلنا تحت يد ذلك النّقار ، ونقرت حوافر دوابنا طيور أحجاره الكثيرة بالمنقار ، فقلت شارحا الحال ، وقارئا باب التمييز في الحال : سعسع القرية التي بتّ فيها * ذات برد في ليلها والنّهار كلّما جاءت الدوابّ إليها * نقرتها بذلك النقّار ثمّ لم نزل ندور معه حيث دار ، ونصافح بأكفّ الحوافر والأقدام أيدي هاتيك الأحجار ، حتى نطق في ذلك لسان الحال ، فقال من الأشعار : نقّار سعسع طالت * مسافة السّير فيه كالغول قد غصّ فينا * ونحن في وسط فيه / ثم لم نزل سائرين حتى نزلنا في وقت الظهرة على قوم من التركمان عندهم خيرات كثيرة ، فأضافونا بما يسّره اللّه تعالى لنا من الزاد ، وما خاب من كان نزيل الأجواد ، وصلينا عندهم صلاة الظهر بالجماعة ، وسألنا منهم معرفة الطريق فدلّونا على طريق يحصل الوصول منه في ساعة ، ولكنّ لم نتابع مقالهم وفارقنا رحالهم ، وسلكنا جبالا ووهادا ، وأكثرنا جولانا وتردادا حتى أتينا إلى قرية القنيطرة في وقت المسا ، ونزلنا التكيّة بعد ليت ولعلّ وعسى ، وصنعوا لنا الطعام في تلك الليلة وللدواب ، وأوقدوا النار لنا بأنواع الأحطاب ، حتى سكنت سورة البرد والجمد ، وتليت سورة الحمد ، وكانت السّماء صاحية والنجوم بادية ، ولنا في ذلك اليوم ما ينبّه القريحة من النّوم : ويوم أتينا قرية قيل إنّها * لها رصدوا بالبرد طلعة مرّيخ قنيطرة قد لقّبوها لكونها * يمر عليها البرد من جبل الشيخ