الشيخ عبد الغني النابلسي
45
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وكانت مغارته مملوءة من الماء الطّهور ، وأخبرنا بعض أهل تلك القرية ، أن أصل ظهور قبره أنّ رجلا من غير أهل قرية داريّا رآه في المنام ، فقال له إن اسمي الشيخ حرب « 1 » وإن قبري في المكان الفلاني ، وأراه ذلك المكان ، فعرفه الرّائي وتحقق أنّه المرام ، وكان قبره في بئر بالوعة في بيت من بيوت تلك القرية ، فلما أصبح ذلك الرجل جاء إلى ذلك المكان وعرفه من غير مرية ، وأزال ذلك القذر منه وحفره فوجد فيه ثلاثة قبور ، فجعل لها درجا ينزل منه إليها ، وجعل لها في الخارج علامة تدلّ عليها . ثم بتنا تلك الليلة في القرية المذكورة مع جماعة أماجد من أهالي دمشق المعمورة ، وحضر عندنا من أهل القرية جماعة يحفظون القرآن العظيم ، وجماعة يطالعون في تفسيره للجلالين ، فعلمنا أنّ هذا الأمر من إنعام اللّه تعالى عليهم والتكريم ، حيث جعل فيهم دون غيرهم من أهل القرى في مثل هذا الزمان قصد الخير الجسيم ، وإلا ، فلعمري كم خرج فيما مضى من قرية داريّا عالم عامل ومحقّق كامل ، وكذلك قرية المزّة وغيرها من قرى دمشق الشّام ، ولكنّ الاشتغال بأمور الفلايح أقعد همم أهل القرى عن تحصيل الكمالات في هذا الزمان المقتضي لظلم الحكام وإلى اللّه المشتكى عنهم في دفع هذه المصائب والآثام ، حتى رأينا غالب من يعرف القراءة منهم معه تفسير الجلالين ، وإذا سألته عن آية أجابك منه بما تقرّ به العين ، وكنّا كلّما رأينا واحدا منهم معه كتاب نعرف أنه ذلك التفسير ، من غير مين . / وقد اشتملت تلك القرية على محلّتين كبرى وصغرى ، ولكلّ واحدة منهما شيخ مستقلّ ، والمجادلة كائنة بين الرجلين ، فقلنا في ذلك : قوم بهم داريّا * من أهلها قرّت العين يفسّرون ويقرو * ن في العبارات ما بين وغيرهم في جلال * وإنهم في جلالين
--> ( 1 ) لم يذكر ابن الحوراني شيئا عن الشيخ حرب هذا ، ولعلّه شهر بعد ذلك ، علما بأنه لا تفصل إلا بضع سنوات بين وضع كتاب الزيارات وهذه الرحلة .