الشيخ عبد الغني النابلسي

353

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

اليوم الحادي والأربعون [ السّبت 27 رجب - 6 أيار / مايو ] وكان ذلك اليوم يوم السبت الحادي والأربعين من رحلتنا المشهودة / وسفرتنا المقصودة ، فعزمنا على ملاقاة الشريف يحيى ، لا زال به ميت المكارم والمحامد يحيا ، فركبنا وذهبنا مع الإخوان ، وخرجت أهالي تلك البلدة ، وجميع أماجدها والأعيان ، وركب أيضا خباب الآغا المتقدم ذكره سليمان ، وركبت معه جميع أتباعه والفرسان حتى وصلنا إلى قرية جلمة ، فنزلنا فيها ساعة من الزمان ، فلم يقدم أحد من المسافرين في ذلك الحين ، فركبنا جميعا وجاوزنا تلك القرية ، وإذا بجماعة على خيولهم مقبلين من بعيد بلا مرية ، فقال القائل هؤلاء أوائل العسكر ، وهذا هو الصّواب الذي لا ينكر ثم مشينا قليلا وتراءينا رعيلا ، وروّينا غليلا وشفينا عليلا ، وإذا بحضرة الشريف قد أشرفت أعلامه وراياته ولمعت بروقه وإشاراته فأقبلنا عليه وأقبل علينا ، وقد ظهر شوقنا إليه وشوقه إلينا ، وتحادثنا ساعة وسلّمنا على الجماعة ثمّ مشينا راجعين في ذلك الحين حتى نزلنا معه خارج قرية جلمة المذكورة ، في خيمة هناك نصبت له مرفوعة منشورة ، فجلسنا معه في جملة من الأعيان ، وقد حضرت الضيافة له من أهل تلك القرية وحصل كمال الإحسان ، ثم ركبنا وسرنا معه حتى دخلنا إلى جينين ، واستقرّ في سراياه ودخل في حصنه الحصين ، فعند ذلك ودّعناه ، وأخذنا إذنه بالمسير ، وقد أكرمنا غاية الإكرام ، وخرج معنا إلى خارج ذلك الباب الكبير . ثم إننا ركبنا وسرنا فلم نزل سائرين مع الإخوان ، إلى أن وصلنا إلى عيون التجّار وقد غابت شمس النهار عن العيان ، فدخلنا في داخل ذلك الخان ، وبتنا هاتيك الليلة بحمد اللّه تعالى في غاية الصحّة والأمان ، وكانت تلك البلاد في خوف شديد ، وأمر ما عليه من مزيد ، وقد خرب ذلك الوقف وقلّ الفوت ، فلا يكاد يدخل ذلك المكان إلّا من يريد أن يموت ، فقلنا في ذلك وقد استنار لنا الليل الحالك /