الشيخ عبد الغني النابلسي

35

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

فحوائج الآخرة من آكدها ، وهو زيارة الأنبياء والأولياء والصّالحين ومشاهدهم وقبورهم ومقاماتهم بالأولى ، ومما يدلّ أيضا لتأويل الأحاديث بما ذكر ، التصريح بذلك في حديث / سنده حسن ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى « 1 » . كما أشار إلى ذلك الشيخ الإمام الشهاب أحمد بن حجر الهتيميّ « 2 » رحمه اللّه تعالى في كتابه « الجوهر المنتظم في زيارة القبر المكرّم » ، وذكر فيه ما حكاه السّبكي عن بعض الفضلاء أن كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة ، وجاحده محكوم عليه بالكفر ، فمن جعل شدّ الرحال لزيارة الصّالحين معصية ، ورتّب على ذلك عدم جواز الرخصة له في السفر على مذهبه فهو مخطىء الخطأ الفاحش « 3 » . قال الإمام العلّامة أكمل الدين في شرح مشارق الأنوار « 4 » عند الكلام على هذا الحديث : وفي الحديث دلالة على فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شدّ الرحال إليها لأنها مساجد بناها الأنبياء عليهم السلام وورد في فضل الصلاة فيها أحاديث كثيرة ،

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 64 . ( 2 ) توفي سنة 973 ه ، والكتاب مختصر على مقدمة وثمانية فصول ، ألّفه في شوال سنة 956 ه ، انظر كشف الظنون / 620 . ( 3 ) يقصد المؤلف هنا ، الشيخ ابن تيمية - 728 ه . وقد ذكر ابن كثير نقلا عن البرزالي في حوادث سنة 726 ه أنه صدر مرسوم باعتقال الشيخ ابن تيمية لأنه أفتى بعدم جواز السّفر بقصد زيارة قبور الأولياء الصالحين وحتى الأنبياء أنفسهم . ويقول ابن تيميّة إنه لا يجوز السّفر بسبب زيارة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم حصرا وإنما تشد الرحال لزيارة مسجده والصّلاة فيه كما ورد في الحديث الصحيح ، وقد اجتمع القاضي القزويني الشّافعي بابن تيمية في سجنه يوم الأربعاء عاشر ذي العقدة سنة 726 ه ، وسأله عن موضوع الزيارة فأفتى بأن السفر بقصد زيارة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقبور الأنبياء معصية بالإجماع ، مقطوعا بها ، أمّا زيارة قبورهم بدون شد رحل ، فهي كما يقول تلميذه ابن كثير - مستحبّة ومندوبة ، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك . انظر البداية والنهاية 14 / 123 و 124 . ( 4 ) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ، تأليف أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي ، المتوفى سنة 544 ه ، ويعرف بالقاضي عياض ، وقد طبع الكتاب في بيروت سنة 1970 م ، وهو يفسّر غريب الأحاديث الواردة في موطأ مالك وصحيحي البخاري ومسلم . معجم المؤلفين 8 / 16