الشيخ عبد الغني النابلسي

36

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

فلا ريب لأحد من المسلمين في فضل هذه المساجد الثلاثة وفضل شدّ الرحال إليها ، ولهذا قال الفقهاء : إذا نذر أن يصلّي في مسجد من هذه المساجد الثلاثة يلزمه أن يأتيه فيصلّي فيه ، فإن صلّى في غيرها من المساجد لا يخرج من نذره ، ولو نذر أن يصلّي في مسجد سواها لم يتعيّن عليه الصّلاة فيه ، وإنّما عليه أن يصلّي حيث يشاء ، وفيه بحث ، فإن المستثنى منه محذوف لا محالة ، فإمّا أن يقدّر عاما هكذا : لا تشدّ الرحال إلى مكان في أمر من الأمور إلا إلى ثلاثة مساجد أو أخصّ من ذلك ، ولا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سدّ باب السّفر للتجارة وصلة الرحم وغيرهما ، فتعيّن الثاني ، فيقدّر ما هو أكثر مناسبة ، ولعلّ ذلك ، لا تشدّ الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى ثلاثة مساجد ، وبه يبطل قول من قال إن شدّ الرحال إلى زيارة النبيّ عليه السلام وإلى زيارة / خليل الرحمن عليه السّلام وغيرهما من الأنبياء والأولياء والصّالحين حرام ، نعوذ باللّه تعالى من الزّيغ بعد الهدى ، انتهى . قلت : ما ذكره من مسألة النذر مبنيّ على قول زفر ، والمعتمد خلافه ، قال في شرح الدرر « 1 » : لو نذر أن يصلّي أو يعتكف أو يصوم أو يتصدّق بمكّة ففعل في غيرها ، جاز خلافا لزفر . وفي شرح والدنا المرحوم على شرح الدرر قال : وعبارة المحيط : وأمّا إذا كان النذر مضافا إلى مكان وأدّاه في مكان آخر ، إن كان المكان الذي أدّاه فيه أفضل ، أو مثله ، يجوز بالإجماع ، وإن كان دونه ، يجوز خلافا لزفر ، انتهى . وقد يسّر اللّه تعالى لنا ، بمحض فضله وكرمه ، شدّ الرحال مع جماعة من الرجال إلى هاتيك الأماكن الشّريفة والمقامات العالية المنيفة ، وتشرّفنا

--> ( 1 ) اسمه الكامل « درر الحكام في شرح غرر الأحكام » تأليف ملا خسرو - 885 ه ، واسمه محمّد بن فراموز بن علي الرومي الأصل ، المعروف بملا خسرو ، أمّا شرح الشيخ إسماعيل النابلسي والد المؤلف فاسمه « الأحكام » ، انظر : فهرس مخطوطات الظاهرية ، الفقه الحنفي 1 / 23 . ومعجم المطبوعات العربية لسركيس ص 1790 وخلاصة الأثر 1 / 408 .