الشيخ عبد الغني النابلسي

344

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

ثم سرنا فمررنا على عين ماء هناك تسمى بعين العسل ، فشربنا من مائها الزلال البارد من غير كسل ، وقلنا في ذلك : بنابلس عين ماء جرت * تزيد الشّفا من بتلك اغتسل مياه بها حلوة عذبة * ولا عجب فهي عين العسل ثم توجهنا إلى جهة مسجد الخضراء ، وهاتيك الرّوضة النّضراء ، وكانت النسمات عطرة الهبوب ، والأزاهير متنوّعة الضّروب ، فدخلنا إلى جامع قديم البنيان ، متهدّم الجوانب والأركان ، فيه بركة من الماء كبيرة ذات الطول والعرض ، مرّبعة الجوانب مساوية للأرض ، والماء يجري فيها من أفواه سواقيها ، وحولها الأشجار والبساتين ، والأزهار والريّاحين ، وقبليّ البركة مسجد للصلوات ، فيه محراب وسقفه معقود بالقبو من الأحجار المنحوتات ، في داخله مغارة يقال إنّ ولادة أولاد يعقوب عليهم السّلام كانت فيها ، وأنّ ذلك المسجد كلّه كان بيتا ليعقوب عليه السّلام ، وتلك نقول لم نزل العامّة ترويها ، فصلينا في ذلك المسجد صلاة الظهر ، وصلاة العصر ، وحصل الفرج وزال الضيق والحصر ، وحصل لنا كمال السّرور ، وتمّ الشهود والحضور ، ونظمنا هذه الأبيات التي هي كالعقود في النّحور وهي قولنا : [ وصف المسجد الشعرا ] بنابلس جئنا إلى مسجد الخضرا * وزرنا مروج الزهر والروضة الخضرا وبركتها تلك التي قد تدفّقت * لسائل ماء جاءها تظهر النّهرا إذا قام من تلك النسائم منشد * رأيت بها الأشجار قد عقدت ذكرا / وإن غرّد الشحرور نسمع للصّبا * خلال الرّبا طبلا ، وطورا له زمرا وترقص بالأكمام أغصانها التي * رأينا لطيّ الزّهر من أوجها نشرا تبارك من أبدى على شجراتها * نوافج زهر الحمض يستودع العطرا وجلّ الذي أهدى من الورد أكؤسا * لها كفّ غيد بالندى ملئت خمرا أقمنا بها فرض الصّلاة جماعة * ونلنا بحمد اللّه من ربّنا أجرا وما راعنا إلا انهدام جوانب * لها مثل ذات الخدر قد كشف خدرا