الشيخ عبد الغني النابلسي
306
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
ثم عدنا إلى مكاننا بالسّلطانية ، وجلسنا مجلسنا في هاتيك الحضرة العلّية ، وكان اليوم قد اصفر وجه شمسه ، ومرض بداء العشيّة ، حتى خرجت روح الشمس من جسد الدنيا بالغروب ، وخفقت من نسائم الليل تلك القلوب ، فنزلنا إلى جامع الصخرة المنير ، وصلينا صلاة المغرب مع ذلك الجمّ الغفير ، ثم مكثنا إلى أن صلينا صلاة العشاء الأخير ، وكنا بين العشائين مع الإخوان في صحن الصّخرة الذي هو بالنقوش ملآن ، وكنّا نتذاكر المسائل ، ونتجاذب أذيال الفضائل ، ونحن تارة جالسون ، وتارة سائرون ، وللأصحاب مسايرون ، وكان البدر في الآفاق بدر تمام ، وابن البدر الجماعي يفوق في مسامرته أبا الطيّب وأبا تمام ، حتى ركض بنا جواد الكلام ، فذكرنا على حسب ما اقتضاه المقام ما يحكى عن الشيخ محمد البكري المصري رحمه اللّه تعالى أنّه كان له مريد فقير في بلاد المغرب ، وكان يصيد السمك ويتقوّت به ، ولذلك المريد صديق يحبّه ويعتقده ، فأراد السّفر إلى الحجّ فقال له مريد الشيخ إذا أنت ذهبت إلى مصر ، فاسأل عن القطب الشيخ محمّد البكري ، وادخل عليه وبلّغه عني السلام ، وقل له كيف حال فلان مريدك واحفظ ما يقوله وبلّغني إيّاه إذا رجعت ، فسافر ذلك الرجل إلى مصر وسأل عن الشيخ البكري فدلّوه على بيته ، فلمّا دخل ورأى داره الواسعة ، وهي ملآنة بالخدم والحشم والخيل والأمتعة والناس ، أنكر في نفسه هذه الحالة ، ثم لما اجتمع بالشيخ ورأى ما هو فيه من النّعمة والعظمة أنكر ذلك أيضا في نفسه ، وقال : كيف يكون في هذه المثابة وهو وليّ اللّه تعالى ، وخطر له ما أوصاه به صديقه فقال له يا سيدي ، مريدك فلان يقريك السّلام ويقول لك كيف حاله ، فقال له الشيخ : قل له أما آن أن يترك الدنيا ، فتعجّب أيضا من هذه المقالة مع ما رأى فيه الشيخ من كمال أحوال الدنيا ، ثم لما قضى حجّه ورجع إلى بلاد المغرب واجتمع بذلك الرجل وأخبره بما وقع / له مع الشيخ فقال له : ما قال لك في شأني فقال له قال أما آن أن يترك الدنيا ، فقال صدق ،