الشيخ عبد الغني النابلسي

307

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وألقى الشبكة من يده في الماء وقال : الدنيا بعد في قلبنا ، وهي قد خرجت من قلبه ، فهي في ظاهره فقط . ثم حدثنا بعض إخواننا عن الشيخ محمد البكري رضي اللّه عنه بواقعة أخرى من مناقبه تقرب من ذلك ، وهي أنّه كان من عادة الشيخ محمد البكري المذكور أن يسأل من يدخل عليه عن أحوال البلد ، وما يجري في مصر من الوقائع ، فسأل مرّة رجلا عن ذلك فقال له ، سمعت بعض الناس يقول : لو كان الشيخ من الأولياء ما لبس فروتين من الفرو السمّور . فأخذ الشيخ من هذا الكلام حال شديد ، ونزل إلى دكان خياط عند باب داره وجلس ، فجاء رجل من الفقراء وطلب منه صدقة فنزع الفروة ، ونادى أحد خدّامه وقال له خذ هذه الفروة وبعها وادفع ثمنها لهذا الفقير ، ففعل كما أمر ، ثم أنّه مضت أيام قليلة ، وإذا بالوزير في مصر قد أرسل إلى الشيخ هديّة سنية ، فلمّا جيء بها إليه ، قام الشيخ واقفا وفرح بالهديّة ، وقال مرحبا ببضاعتنا التي ردّت إلينا ، وكان ذلك على خلاف عادة الشيخ ، فنظر فيها فرأى تلك الفروة التي دفع ثمنها للفقير من جملة تلك الهديّة ، فأخذها ولبسها وقال ماذا نصنع فإن اللّه يلبسنا ذلك ، وصنع له فروة أخرى من السمّور ولبسها . ثم عدنا إلى مكاننا بالسّلطانية ، مع الإخوان ، وبتنا إلى أن أومضت بروق الفجر ذات اللمعان .