الشيخ عبد الغني النابلسي
280
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
من العرب والفلّاحين علموا بذلك ، فوقفوا له في الطريق ليأخذوا منه المال ، فلقي في بيت المقدس جماعة من العرب يبيعون السّمن في ظروف صغيرة ، فتساوم امرأة منهم على ظرف صغير من السمن ، وفتح فم الظرف لينظر إلى السّمن ، فرمى فيه صرّة المال ، بحيث لم يشعر به أحد ، وربط فم الظرف / وقد اشتراها منها بشرط أن تحملها له إلى بلاد الخليل ، ثم ذهب وحده فبينما هو في الطريق ، خرج عليه القوم الذين كانوا ينتظرونه ليأخذوا منه المال ففّتشوه ليأخذوا منه المال ، فلم يجدوا معه ، فتعجبوا من ذلك لكونه ما جاء إلّا ليأتي لأهل الخليل بصرّتهم ، فلما وصل إلى الخليل سألوه عن مال الوظائف ، فقال لهم ، يأتيكم في غد إن شاء اللّه تعالى ، فلمّا كان ثاني يوم ، جاءت المرأة ومعها الظرف ، فأعطته إيّاه وأفرغه وهي ترى ذلك ، فخرجت الصّرّة من وسط السّمن ، فقالت له ما هذا ، فقال هذا مال وظائف أهل الخليل ، فندمت المرأة لكونها لم تأخذه ، وسلّمه اللّه تعالى من قطاع الطريق ببركة تقواه وديانته . وكان من قوّته وشدته ، لطف اللّه تعالى به ، كما حدثنا بذلك أنّه كان يذهب يوم الجمعة من بلاد الخليل إلى الرملة ، ويدرك صلاة الجمعة بها ، ثمّ يعود للخليل ، وفي مرّة صلّى الصّبح ببيت المقدس ، وجاء إلى الخليل ولم يكن أهل الخليل قاموا بعد من النّوم ، وقد أخبرنا عن أكله الكثير أشياء كثيرة ، وهو رجل من الصّالحين والعلماء والعاملين ، وقد حدّثنا بذلك عن نفسه ، وهو الآن كبير السنّ ، ينوف عمره على الثمانين سنة ، فاجتمعنا به وتبرّكنا بمجالسته وتكلّمنا معه في مسائل من العلم شتى ، وهو حنفي المذهب إمام الحنفية بجامع الخليل عليه السّلام ، وكان يصلّي المغرب والعشاء في صحن الجامع بالقرب من شباك الخليل ، على البلاطة الجعبريّة ، وهي بلاطة كبيرة بقدر السجّادة الكبيرة في أرض الجامع ، من جملة بلاطة منسوبة إلى الشّيخ الجعبريّ ، أحد الجعابرة المشهورين بالعلم والدّين والصّلاح والتّصوّف من أعيان أهل بلاد الخليل ، وقد دعانا مرّة إلى الصلاة بالجماعة في صلاة