الشيخ عبد الغني النابلسي
25
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ « 1 » ، ولو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية ، وبجميع البركات وافية ، لأنّه إذا بورك حوله ، فالبركة فيه ظاهرة غير خافية ، ومعنى البركة حوله ، بإجراء الأنهار وإنبات الثّمار ، وإظهار الخير الكثير ، والتيسير على أهلها في كلّ أمر عسير ، وقال اللّه تعالى في شأن إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام وَنَجَّيْناهُ / وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ، والمراد بها بيت المقدس ، وقال اللّه تعالى وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ « 2 » قال ابن عباس : هي بيت المقدس ، وهو قول قتادة وكعب ، لأن الربوة ، المكان المرتفع من الأرض ، وقال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا ، وروي عن عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه أنه قال : وسط الأرضين أرض بيت المقدس ، وأرفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس « 3 » . والقول بأنّ بيت المقدس وسط الأرض ظاهر كما ذكر الحنبلي في تاريخه ، فإن بيت المقدس إذا اعتبر أمره وجد في وسط الأرض وسائر الممالك من كلّ جهة محيطة به ، فإنه يقابله من جهة القبلة ، إقليم الحجاز الشريف وبلاد اليمن ومملكة الهند وما والاها ، ومن جهة الشّرق ، بلاد بغداد والعراق ومملكة العجم وما والاها ، ومن جهة الشمال المملكة الشامية ومملكة الروم وما والاها ، ومن جهة الغرب الديار المصرية ومملكة الغرب وما والاها ، فظهر أن بيت المقدس الشريف والمعبد المنيف في وسط الدنيا . وروى الحنبلي في تاريخه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أربع من مدائن الجنّة : مكّة والمدينة ودمشق ، وبيت المقدس ، وفي
--> ( 1 ) أول سورة الإسراء . ( 2 ) سورة الأنبياء / 71 وسورة المؤمنون / 50 . ( 3 ) ما يذكره المؤلف عن فضائل بيت المقدس وتأويل الآيات لخدمة ذلك الهدف ، أمر تورّط فيه مؤرخو البلدان مثل ابن عساكر وغيره ، فوضعوا في فضل الشام أو القدس أو مصر أو العراق أو غيرها أحاديث تفوح منها رائحة الوضع ، ففسّروا « الربوة » بأنها ربوة دمشق وهنا فسّروها بالقدس وهكذا .